اليوم الأربعاء 24 أكتوبر 2018 - 1:32 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 8 نوفمبر 2013 - 3:39 صباحًا

وقتك …رأس مالك

جريمة من أشنع وأعظم الجرائم بل هي المفتاح لكل جريمة، جريمة هدّمت أخلاقنا وعطلت قدراتنا بل وقتلت طاقات شبابنا، جريمة ارتكبها الشباب والفتيات والنساء والرجال وقلّ من سلم منها. جريمة لا تحاسب عليها الأنظمة البشرية ولا المحاكم الشرعية ولكن قسماً بمن أحل القسم سيحاسب عليها رب البرية.
جريمة إرتكبناها يوم ظن بعضنا أن الحياة لهو ولعب، يوم غفلنا عن سر خلقنا وحكمة وجودنا، إرتكبناها يوم ماتت الهمم وخارت العزائم وقل المعين وتسلل القرين وسلمت للشهوات الأعمار والأوقات. جريمة: ضياع الأوقات وقتل الأعمار والساعات، جريمة الغبن الذي نعيشه في أوقاتنا وحياتنا ومضي أعمارنا.
وقد يسأل سائل وهل ضياع الوقت جريمة؟ كيف لا والله عز وجل يقول: “ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون”.
كيف لا وربنا يقول: “أن تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين”، ويقول: “حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون”.
كيف لا يكون ضياع الوقت جريمة والنبي  يقول فيما رواه عبدالله بن مسعود  ((لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟))
والحسن البصري رحمه الله يقول:(من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه خذلاناً من الله).
كيف نحن مع أوقاتنا؟ كم نرى من النذر صباح مساء فأعوام تمر كلمح البصر أو كأضغاث أحلام ثم نعرض ببلادة عجيبة وغفلة أعجب بل يهنئ بعضنا بعضاً بمُضي أعمارنا.
هل تظن أن الحياة ستبقى لك صفواً بلا كَدَر، وصحة بلا سقم، وأماناً بلا خوف. تتساقط الأوراق والنبات الأخضر ينصرم، ثم يعود هشيما تذروه الرياح، والجديد يبلى، والصغير يكبر والموت آت لا محاله. هل تعلم أنك في يوم ميلادك تودع عاماً كاملاً، اثنا عشر شهراً، تودع ثمانية وأربعين أسبوعاً، تودع ثلاثمائة وستين يوماً، ويبدأ عام جديد! هل يخطر كل هذا ببالك إذا جاء يوم ميلادك؟ أم أنك تنشغل بالاحتفال بعيد ميلادك وأنت لم تولد بعد؟! يقول الشيخ عائض القرني حفظه الله:
ليس عندنا عيد ميلاد؛ لأن عيد الميلاد أضحوكة يضحك بها الإنسان على نفسه، وسخرية يسخر بها الرشيد إذا سفه، وضحل عقله على كيانه، كيف يحتفل بميلاده!! وهو لم يولد بعد في عالم الحياة!! إن المولود حقيقة من ولد لله، وعاش ومات لله، قال الله: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } [الأنعام:122] إنهم لم يخرجوا من الظلمات ولم يولدوا بعد، فكيف يحتفلون بعيد الميلاد!!
نحن والله لا نقدر الزمن ولا نعرف للوقت قيمة، فتعودت نفوسنا على الدعة والراحة والكسل. ألا ترى الرجل يمكث الأوقات والساعات الطوال وهو يقلب في جواله ويتصفح الساعات تلو الساعات دون كلل وملل. ألا ترى المسلم يقدس الشاشة ويبرك أمامها الساعات الطوال، ويا ليته أمضاها فيما ينفع.
أيها العقلاء فكروا فيما يبقى ويثمر ولو كان على أنفسكم ثقيل، ولا يغرنكم ما ألهى وأضحك فالحزن بعده طويل . قال ابن مسعود  : ( الحقُّ ثقيلٌ مريءٌ، والباطلُ خفيفٌ وبيءٌ، وربّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً).
قلّ فينا من يُنتج قلّ فينا من يحسن عملاً، قلّ فينا العالم والمتعلم، قلّ فينا المهندس المبدع التقي والطبيب الأمين الوفي، أفي الليل سهر وبطاله وفي النهار نوم وغفلة؟!
يقول أبو هريرة  قال رسول الله : (إن الله يبغضُ كلَّ جعظرِيٍّ جَوَّاظٍ، سَخابٍ في الأسواقِ، جِيفةٍ بالليلِ، حِمارٍ بالنهارِ، عالمٍ بالدنيا، جاهِلٍ بالآخِرةِ ). نعوذ بالله.. أهذه حياة؟ أهكذا يعيش المسلم بلا أمل ولا هدف لا يفرق بين الجد واللعب؟! أينقضي العمر في الدنيا مجازفة والمال يحسب منها بالموازين؟
يقول أبو مسلم الخولاني والله لو رأيت الجنة عياناً ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عياناً ما كان عندي مستزاد. وسئل نافع ما كان ابن عمر يصنع في بيته؟ قال:(الوضوء لكل صلاة والمصحف فيما بينهما). ويقول الفضيل بن عياض:(أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة). هذا هو الحساب الصحيح!
يقول الحسن البصري يرحمه الله: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم).
الوقت أنفس ما عنيت بخفطه وأراه أسهل عليك يضيع
هل تعلم أن الإنسان إذا قدّر له أن يعيش سبعين سنة، فأضاع في كل يوم منها عشرين دقيقة فقط لخسر من عمره كله سنة كاملة سبهللا، ولو أضاع ساعة في كل يوم لخسر من عمره 3 سنوات كاملة؟!
إن الأيام التي نعيشها تنذر بخطر كبير وبلاء مستطير لا يعرف أوله من آخره. وبلاد المسلمين على تستهدفها خطط خبيثة يراد من ورائها قتل الهمم والأخلاق وتمزيق الشعائر والقيم حتى يبدو الإسلام غريباً في بلاده. والله وتالله ستسكب العبرات وتكثر الحسرات على ساعات وأوقات ضيعت في الخطايا والغفلات. “ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها”.
ورحم الله الإمام ابن القيم وهو يقول : (فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلُّها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت فمن أضاع الوقت لم يستدركه أبدا).
ختاما أيها الأخ المبارك: أنت على أعتاب شهر رمضان، نعم: كم قيل لك أنك على أعتاب شهر رمضان، وكم جاء عليك رمضان تركك خالي الوفاض فارغ اليدين! لا لشيء إلا للتفريط والكسل واللهو واللعب.
ها هي فرصة أخرى مواتية، أوقات أغلى من الذهب تطرق سمعك، وتدق باب قلبك، فهل ستستجيب؟ وتتوقف عن النحيب؟ ألم يحن الوقت أن نغير حساباتنا، ونعيد ترتيب أولوياتنا؟ تلك الأولويات التي تتربع على عرشها الدنيا وزخارفها، ولا نكاد نجد للآخرة فيها موضعا!
اعرفوا قدر الأوقات التي هي خزائن أعمالكم وبادروها بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان وانصرام الزمان. إن كل ميت إذا مات فانه يندم، إن كان محسنا ندم ألا يكون قد ازداد، وان كان مسيئا ندم ألا يكون استعتب (رجع عن الإساءة)! أيها الاخوة! إن كل يوم بل كل ساعة بل كل دقيقه بل كل لحظه تمر بكم فإنها لا ترجع إليكم أبدا، وإن كل يوم وساعة ودقيقه ولحظه تمر بكم فإنها قصر في أعماركم ودنو لآجالكم.
رُؤِيَ بعضُ الموتى في المنام فقال: نحن الأموات نعلم ولا نستطيع أن نعمل، وأنتم أيها الأحياء تعلمون ولا تعملون، والله لتسبيحة واحدة يجدها أحدنا في صحيفته خير من الدنيا وما فيها!!! نسأل الله التوفيق والسداد وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
رفاد غانم (أبو سلمان)

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com