اليوم الخميس 24 مايو 2018 - 9:14 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 10 نوفمبر 2013 - 10:08 مساءً

“وما ارسلناك الا رحمة للعالمين” – امير بهاء الدين

رسول الله صلى الله عليه وسلم
رحمته صلى الله عليه وسلم وحرصه على أمّته

أرسل الله نبيّهُ طوقًا لنجاة البشرية من غيّها وضلالها، فاستحق صلى الله عليه وسلم بحقّ أن يكون منقذا للإنسانية، فكانت سيرته أعظم نبع لمن يريد تربية الأمم – أفرادًا وجماعات – على قيم الحبّ والرأفة، التي تمثلت في حرصه صلى الله عليه وسلم على الناس عامّة، وأمّته خاصة، وكان هذا الحرص نابعًا من رأفته ورحمته بهم، كما كان ذلك دليلا على صدق نبوّته صلى الله عليه وسلّم [١]

يقول الله سبحانه وتعالى:
(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة ١٢٨]
ولم يقل جاءكم رسول منكم، ولكن قال: (مِن أنفُسِكُم) وهي أشدّ حساسية وأعمق صلة، وأدلُّ على نوع الوشيجة التي تربطهم به. فهو بضعة من أنفسهم، تتّصل بهم صلة النفس بالنفس، وهي أعمق وأحسّ.
يشقّ عليه عَنتُكُم ومشقّتكم. لا يلقي بكم في المهالك، ولا يدفع بكم إلى المهاوي، فإذا هو كلفكم الجهاد وركوب الصعاب فما ذلك من هوان بكم عليه، ولا بقسوة في قلبه وغلظة، إنّما هي الرحمة في صورة من صورها. الرحمة بكم من الذلّ والهوان، والرحمة بكم من الذنب والخطيئة، والحرص عليكم أن يكون لكم شرف حمل الدعوة، وحظ رضوان الله، والجنة التي وُعِد المتّقون. [٢]

وكانت رحمته تسع الناس جميعا ويحس بها المستضعفون قبل الأقوياء، يقول عبد الله بن عمرو: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فجلس إلى الفقراء وبشّرهم بالجنّة وبدا على وجوههم البِشر فحزنت لأنني لم أكن منهم) (أخرجه النَّسائي وأصله عند مسلم) [٣]

أمّا فتح مكّة […] ففيها نجد طبيعة الرسول صلى الله عليه وسلم الداعية الذي لا يجد الحقدُ على مقاوميه إلى نفسه سبيلا، فقد منّ عليهم بعد كفاح استمر بينه وبينهم إحدى وعشرين سنة لم يتركوا فيها طريقا للقضاء عليه وعلى أتباعه وعلى دعوته إلا سلكوها، فلمّا تمّ له النصر عليهم، وفتح عاصمة وثنيّتهم، لم يزد على أن استغفرَ لهم، وأطلق لهم حرّيتهم، وما يُفعَل مثل هذا في التاريخ، ولكنّ [هذا] ما يفعله رسول كريم لم يُرِد بدعوتِه مُلكا ولا سيطرة. [٤]

وعن أبي هريرة ، قال : قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال : (إني لم أبعث لعانا ، وإنما بعثت رحمةً) (رواه مسلم)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن دوسا قد هلكت وعصت وأبت فادع الله عليهم فقال (اللهم اهد دَوسا وأت بهم) (رواه البخاري)

إنّها الرحمة التي تفيض حتى تكاد تقتل صاحبها أسى لما يرى من انصراف الخَلق عن طريق الجنة إلى طريق النار. حتى يعاتب الله عز وجلّ صاحبَها: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف ٦]. إنّها رحمة النبوة وإنها صفاتها. [٥]

وما أجمل أن نختم كلامنا بموقف يعكس مدى انشغال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمّته وحرصه عليها، ومدى تقدير رب العالمين سبحانه وتعالى لهذا الحرص! فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه إذ يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [إبراهيم ٣٦]
وقال عيسى عليه السلام: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة ١١٨]
فرفع يديه وقال: (اللهمَّ أُمّتي أُمّتي). وبَكى، فقال الله عز وجلّ: يا جبريل، اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهَب إلى محمد فقُل: إنّا سنرضيكَ في أمّتكَ ولا نسوءُك. [٦]

صلّى عليكَ اللهُ يا عَلَمَ الهُدى … ما حَنَّ مُشتاقٌ وسارَ دليلُ

[١] (أسوة للعالمين)، د. راغب السرجاني
[٢] (في ظلال القرآن)، سيد قطب
[٣] (الرسول)، سعيد حوى
[٤] (السيرة النبوية)، سعيد حوى
[٥] (الرسول)، سعيد حوّى
[٦] (أسوة للعالمين)، د. راغب السرجاني

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع