اليوم الجمعة 28 يوليو 2017 - 1:39 صباحًا
أخر تحديث : السبت 16 مايو 2015 - 9:49 مساءً

بما فيهِ الكفاية….د. رائدة بدران

على قدر ما يحاول الانسان الوصول الى الاكتفاء, على قدرِ ما يخسر الاكتفاء في مناحي لم ينتبه لها سابقاً .
يدلّل الأب ابنه لأنه هو بنفسه لم يحصل على الرعاية اللازمة حين كان صغيراً كي يعوّضه فيؤديّ الأمر الى الحاق الضّرر بالابن. يرتاد الشاّبّ مراكز كمال الأجسام كي يحافظ على انفتال عضلاته فتنفلت الانزيمات من أنسجتها توّ تمزّقها فيزور المشفى ويبحث عن علاج. تسعى المجتمعات الغربية الى الحريّة الفكريّة والعقائدية والسلوكيّة فتنتشر المخدّرات , وحالات الاعتداء على النّساء , فتُفتَتَح المراكز الخاصّة بالعلاج والتي تكلّف البشريّة الملايين, تُخترع الأجهزة لتحضير الاكل السريع , والاتصالات السلكية واللاسلكية فتنتشر الأورام والأمراض المُستعصية.
ليس هناك وضع يمكن وصفه بأنه يمتاز بما فيه الكفاية.!
قد أكون قابلت وصفاً لوضع مثاليّ فقط حين قرأت وصف الجنّة ووضع أصحابها, فالجنة هي دار الخلود، ونعيمها دائم، لا يعتري سكانها نصبٌ أو همٌ أو حزن، ويتمتعون بما أحل الله تعالى لهم بفضله وكرمه، وفيها من النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولقد بيَّن الله تعالى بفضله الكريم في كتابه العظيم صفات هذه الدار، حتى يسعى لها المسلمون، ولقد أرشدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين في السنة النبوية العظيمة لصفات هذه الدار حتى نستعين بالرجاء في رحمة الله تعالى، ونُقبِل على الأعمال الصالحة، ونرتوي من ينبابيع الخير، لكي نسكن في هذه الدار العظيمة، وننعم بحمد الله تعالى على فضله وكرمه.
وحين بحثتُ في صفات أهل الجنّةِ علّني أجد ما يوضّح ما تأمّلت لفت نظري شعورهم بالفوز برضا الله جلّ في علاه وبذلك حصولهم على ما وُعِدوا به, نزع الغلّ من قلوبِهم, اجتماعهم بأهاليهم وذرياّتهم من الصالِحين ,ناهيكَ عماّ ينالون من قصور وأنهار ونعيم مقيم.
● قال الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ . وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثْنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ . وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر:73-75].

● قال الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43].
● قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ . فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الطور:17-20].
● قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَة . لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً . فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ . فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ . وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ . وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ . وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} [الغاشية:8-16].
● قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر:7-9].

ولو تأمّلنا حياتنا الدنيا لوجدنا بعض تلك الشروط تنطبق على فئة من البشر… فهناك الأثرياء ممّن يملكون الأموال والعقارات وياكلون ما لذّ وطاب ويسكنون القصور ويسافرون ويملكون الخدم والحشم ,,ومع الامعان في التعرّف عليهم وعلى حياتهم وجدت بعضهم ممّن وصلت أخبارهم عامة الناّس يعانون أو قد عانوا سابقاً من حالات نفسية, مرضيّة يندي لها الجبين.
ولعلّ أكبر مثال على ذلك أميرة بريطانيا “ديانا” والتي كانت معظم مراهقات العالم يحلمن بتقليدها والحصول على جسم مشابِهٍ لجسمها ولبس ملابس مشابهةٍ لملابسها فاتّضح مع مرور الوقت أنها تعيش حياة تعيسة لم تشعر خلالها بمعنى السعادة, كانت تُعالج من مرض جعلها حتّى غير قادرة على الاستمتاع بالاكل, فقد كانت تأكل وتتقيّأ كي تحافظ على الرشاقة التي غدت مع الوقت بمثابة رأس مالِها. ولاقاها الموت ثملة كما يعلم معظم القراّء في أحد أحياء فرنسا حين لاقت حتفها في حادث طرق بصحبة خطيبها المصريّ .
ليست ديانا فحسب , بل هم كُثُر من كانوا يملكون الملايين , السلطة المُطلقة والاطيان كالزعيم هتلر الذي يقال بانه مات مُنتحراً . كانوا يملكون ما وُعدَ به المُتّقون على الأرض وبدون مشقّة ربّما… فما سرّ عدم شعورهم بالسعادة أو الاكتفاء “بما فيهِ الكفاية”؟
لا جرم أن الله تعالى لم ولا ولن يرضى عن ثلّة كتلك, ولا جرم بأن الغلّ الذي لا يعرفه ساكنوا الجنة ما زال في قلوبهم, ولا شكّ بانّهم لم يستشعروا معنى أن تكون لهم رسالة في الحياة, لم يستشعروا معنى العبودية لله, ولم يستشعروا معنى أن يملكوا أزواجاً وأولاداً وذريّة صالحة.
فشتاّن ما بين حالة وحالة!! وشتاّن ما بين شعورٍ وشعور.
أنعم الله تعالى علينا بنعمة الاسلام , والعبودية له , وأنعم علينا باستشعار جرعات من السعادة , حين وصل الرحم, وحين الافطار من الصيام, وحين قيام الليل , وحين سماع القران.تلك أصفها بجرعات السعادة لأنها ليست سعادة كاملة عميقة في ديمومة, بل هي تعلو وتهبط, وقد يكون التفسير العلمي يتلخّص في بعض التغييرات الهرمونية والاشارات العصبية والكهربائية في الجسم , وقد يكون التفسير النفسي والفلسفي بحسب المحلّلين عدم استيفاء شروط التطور النفسي العاطفي , وهنا نعود الى استحالة الحصول على وضع “بما فيهِ الكفاية” .
ولذا علينا أن نعترف بأننا لسنا بما فيه الكفاية من صفات قد تقرّبنا الى استشعار نوعِ من السعادة والرضا حتىّ ملاقاة ربّنا والحصول على ديمومة ذلك الشعور. وعلينا أن نأخذ زمام أنفسنا ونحاول ارساء صفات أهل الجنّة في شخصياّتنا مع صعوبة ذلك , وفي شخصياّت ذرّياتنا , علينا ألاّ نحسن الظنّ بأنفسنا بما فيهِ الكفاية.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع