اليوم الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 - 5:19 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 7 يونيو 2015 - 7:54 صباحًا

الطبع والتّطَبُّع – رائدة بدران

يروى أن هنالك ملكاً توجّه لوزيره الجالس بجانبِه وبادره بالسؤال :هل التطبّع يغلب الطّبع ؟ فأجاب الوزير بالنّفي, واذا بالملك يصفّق بيديه فيخرج سِرب من القطط كل قطّةٍ تحمل بين يديها شمعة وتقف منتصبة على رجليها. فبُهِت الوزير وصَمَت.
وحين عاد الوزير الى بيته لاقته جارية له عُرفت بذكائها ودهائها وسألته : ما الخطب ؟ فقصّ عليها ما حدث عند الملك. تبسّمت الجارية بثقة وأردفت : الحلّ عندي فلا تبتئس أيها الوزير ونم ملئَ جفنيك..!
في اليوم التالي دخل الوزير ديوان الملك وجلس الى جانبِه كعادته فسأله الملك في الحال: هل التطبّع يغلب الطّبع ؟ فأجاب الوزير: كلاّ يا حضرة الملك , صفّق الملك بيديه وخرج سرب القطط مع الشموع كما كان منها في اليوم السابق. فما كان من الوزير الاّ أن تناول من جيبِهِ فاراً ورماه باتجاه القطط فرمين الشموع بالحال وتهافتن يتنازعن على الفار. !!
لست أتبع لديوان الملك ولكنّ التطبّع من الممكن أن يغلب الطّبع , ولكن في حالة تشخيصنا للطّبع كمشكلة تحتاج الى علاج, أو ظاهرة تحتاج الى تغيير, أو معضلة تحتاج الى حلّ .
الطّبع قد يكون جزءا من تكوين الشخصية , كحبّ الانطواء, او حب الظهور مثلاً ويعزّز الطبع ردود فعل المحيطين بالشخص , وقد يكون الطبع جزءا من حالة مرضية كنتش الشعر مثلا او كالسرقة وحتى سرقة أغراض ليست بذات قيمة , غسل اليدين بشكل طقوس ذات خاصية وعدد مُعيّنين , الافراط في التنظيف والترتيب واستهلاك المياه .
وقد يكون سلوكياً كالعنف وحب السؤال والقيل والقال, غير أن لكلّ طبع أسباب ودوافع وتبريرات, وبحسب النظريات العديدة ان لم يكن الطبع ناجما عن فقدان العقل أو حالة مرضية مستعصية فيمكن تغييره, تخفيفه, أو حتى الخلاص منه.
والطبع يتغيّر فقط اذا اعترف صاحبه به , بسلبيته, وأبدى الاستعداد للتغيير, أما ان لم يكن يدرك ابعاد طباعه, ولا يفهم نفسه, ولا يستمع لمن حوله فانّ طبعه سيترسّخ فيه كونه لا يقتنع باي شيء اخر, بل في احايين كثيرة تأخذه العزّة بالطّبع ويستمر حتى ولو على حساب أعصابه, صحته, أو حتى سمعته.
كثيرون هم من طبعهم طبع القطط التي تجري وراء الفأر وتستبسل من اجل اصطياده بعد تكون قد تدرّبت طويلاً على حمل الشموع منيرة والمشي بوقار وهدوء . فالقطط محدودة التفكير تحتاج الى وقت طويل كي تدرّبها على حمل الشمع وتعزز تصرفها بمكافئة هي قليل من اللبن فتتطبّع , تنسى أن تعرّض تلك القطط وهي ماسكة للشمع لمرور فار أو فئران كي تفحص مدى رسوخ التطبّع مكان الطّبع فتهدم لدى ظهور أوّل فأر كلّ ما بنيت من درب الشموع . ولكنّ الانسان ليس قطة ولا هرّ , الانسان حين يتطبّع يكون له هدف من اثنين ,اماّ ارادة التغيير الجذري الصادقة المخلصة ونستشفّ ذلك من خلال اعترافه قبل تعداد مزاياه بسيّئاته وبالذات تلك التي يعرفها القاصي والداّني . أو ارادة الحصول على هدفٍ ما من خلال الباس نفسه صفات هو بعيد كلّ البعد عنها , وفي حالتنا حمل الشموع التي سياتي يوم وتنطفئ ولا يجيد احضار غيرها لأنه تطبّع حملها لهدف حصل عليه ولا تلزمه شموع التطبّع في تلك الحالة.
هناك نظريات نفسية كثيرة بُنيت من أجل دحض نظرية سيطرة الطبع على التّطبّع , وهناك حقاً من استطاعوا أن يتخلّصوا من طباع كثيرة عكّرت صفوَ حياتهم وحياة من حولهم , ولكن كما ذكرت , مفتاح التغيير هو وضع اليد على مكان المعضلة, على المكان الصحيح , والبحث عن أسبابه الحقيقيّة , ومن ثمّ البدء بالتدرّب تدريجياً على حمل الشموع وفي فترة ما رمي الفأر وانتظار ردّ الفعل حتىّ تتدرّب القطط على طريق الخير وضوء الشموع رغم وجود الفأر.
من أجل تغيير الطباع يلجأ معظم المصابين للمساعدة النفسية , يتلقّون علاجاً محدوداً ومُحدّدا للخلاص من الطّبع . وجميع اضطرابات الشخصية والمعضلات المرضية قابلة للعلاج بطرق متفاوتة .
ودمتم سالمين.

 

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع