اليوم الأربعاء 28 يونيو 2017 - 2:55 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 12 يوليو 2015 - 12:48 صباحًا

برقياّت نرجسيّة (2) – حبيب الكلّ أنا!!…. – د. رائدة بدران

ركضت الفتاة الصغيرة التي لم تبلغ الثلاث سنوات نحو امها وهي تتعثّر وقد أوشكت على الانكفاء على وجهها , دموعها تنهمر شاكية ابن عمّها الذي يكبرها بأشهر قليلة…. لقد ضرَبني! تستشيط الأم غضباً ولكنها تتمالك نفسها وتناديه على مسمع من أمّه الجالسة بجوارها.
حين يحضر الولد ينفي التهمة وتبدأ جدالات الأطفال واشتباكاتهم التي لا طائل منها حولَ من بدأ بالاعتداء ومن تلاه,,,وكالعادة تحتار الامهات , وتتبرّع أم الجاني وتطلب من ابنها الاعتذار للفتاة فيرفض, وتطلب من الفتاة ضربه فترفض والدتها…ويبكي هذا ويبكي ذاكَ فينفذ صبر الامهات وتضرب كل منهنّ ابنها مغتاظتان والأولاد يبكون….فهل انتهت المشكلة؟!!
تخيلت نفسي أنا تلك الفتاة, وتخيّلت لو ان الولد وافق وطلب المسامحة لكان ارضى غروري وطوّع نرجسيّتي وسيطرة الأنا على جوانحي لكلمات الاعتذار الرقيقة , ولانسجمت المشاعر الصادقة البريئة ببعضها البعض مولّدة طاقات ايجابية تدفع نحو الامام , المرح الطفولي والطيبة الفطرية.
ولكنّ الولد لا ولن يعتذر , كيف وهو المتعوّد على كونه الكلّ في الكلّ,, والبنت لم تهدا …وكيف تهدأ وقد ضربها ذلك الولد ولم تثأر لكرامتها المجروحة؟!
هكذا يربيّ القسم الكثير الأبناء دون قصد منه. الثأر لل أنا,,, حمل شعلة الشموخ الزائفة, والمضيّ قدماً ولو نحو مناطحة الحيطان والجدران. فالاهم هي الأنا.
تحديدا ما بين سنّ السنة والنصف والثلاثين شهراً يمر الطفل بمرحلة نرجسية فسيلوجية أي غير مرضيّة , وهي تلزمه كي يبني شخصية سويّة . في هذه الفترة هو حبيب الكلّ ومحط انظار الجميع , هذا يحتضن, وهذا يدلل, وذاك يُعجب ويُثني ويُكافئ.الطفل في هذه المرحلة العمرية بحاجة دائمة للثناء والمديح , بحاجة لتعزيز حبّ الانا لديه , الانا الواقعيّة وليس خلق أنا وهمية والصاقها به , ابني متوسط الذكاء, لا أعزّز الأنا عنده على ادخال كونه عبقريّ زمانِه الى رأسِه . ابني متوسط الجمال…فلا أدخل الى مخيّلته أنه ساحر النساء .
أنا حبيب الكلّ رغم ذكائي المتوسط ورغم شكلي المتواضع ورغم حالة والدي المادية ورغم عائلتي وبيتنا المتواضع , أنا حبيب الكلّ لاني انا وبعد ذلك تمتدّ مساحة الانا لتصل الى الاكتفاء ماضية نحو المجتمع من المحيطين مبتعدة عن التمركز نحو الذّات تشعر وتفهم مشاعر ودوافع الاخر المُختلِف لتنتج شخصية سويّة مُحبّة متقبّلة للواقع تتعايش معه بسلام وتصالُح.
تلك هي النرجسية الصحيّة , أن أحب الأنا حين يلزم حبّها ومن ثمّ أمضي وأتخطّاها نحو المحيطين .
النرجسية الصحية نرجسية تدفع بصاحبها نحو النّجاحات والتحصيل والابداع والابتكار , دون أن يؤثر عليه وجود المئات ممن ينافسونه على نفس المراكز والمواهب والمناصب. بل يغتبط لمن يشاطره الهموم والمسؤولية , مسؤولية العطاء , ويفرح بمن يبادله الأفكار والكلمات والتشجيع.
نرجسيّتنا هي التي تجعل من المتوسطين ذكاءً أساتذة ومحاضرين واطباء ناجحين. وهي نفسها التي تهوي بالجهابذة نحو الحضيض ان دخلت في دائرة الانا المريضة المنفوخة الهشّة , المتنقّلة ما بين حبّ الذات حباً مرضياً واحتكار كل ما هو في متناول اليد من مال أو جاه أو علم أو ابداع أو سلطان , بل ومناصبة كل من يقترب من تلك الدائرة العداء. انّ الأنا النرجسية السوية أنا منتجة تحتاج للاطراء الطبيعي وللمجاملة العابرة لا للتعظيم والتقديس .

وختاماً النرجسية السليمة هي شعورنا شعوراً مفهوماً ضمناً بأن كلّ منا له الحق بان يشعر دون مضايقة غيره أو الانتقاص منه بشعور: حبيب الكلّ أنا
أنواع النرجسية , وقطبيّ الطبيعي والمرضي ساوردها في القادم من الأيام بعون الله .ولا تنسوا الدعاء لي بظهر الغيب …أنا ولا بأس أن تدعوا لغيري , !
الى اللقاء.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع