اليوم الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 - 6:28 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 23 يوليو 2015 - 4:45 مساءً

أكذوبة إقتصاد المعرفة

برز مصطلح ” إقتصاد المعرفة ” خلال النصف الثاني من عقد التسعينيات فقط في نيوزيلندة وهي البلد الذي يعتمد إنتاجه بصورة عامة على ثروته النباتية والزراعية، الإنتاج الذي لا يعتمد كثيراً على المعرفة والتقنية كما هو الإنتاج الصناعي وإنتاج الخدمات. وتشير ” المعرفة ” هنا بصورة خاصة إلى عمل الحواسيب والتراسل وإلى كافة الخدمات المتعلقة بهما ؛ كما تشير أيضاً إلى معاهد البحث والتعليم وتأثيرهما في تطور الإقتصاد القومي.
يدعي أصحاب ” نظرية التنمية الجديدة ” مثل بول رومر (Paul Romer) أن الإقتصاد العالمي هو اليوم في طور العبور إلى ” الإقتصاد المعرفي ” وأنه إذا ما كان الإقتصاد النيوكلاسيكي قد قام على عاملين هما العمل ( Labour ) ورأس المال(Capital ) فإن الإقتصاد الحديث يقوم على المعرفة (Knowledge) والمعلوماتية (Information) أو ما يسميها آخرون التراسل (Telecommunication)، التراسل الذي جعل من العالم خلية إنتاجية واحدة يجري التنافس داخلها من خلال التطوير السريع للمعلومة. وقد وصل الأمر بهؤلاء ” الإقتصاديين ” الجدد إلى حد الإدعـاء بأن أدوات الإنـتاج لـم تعد هي الآلات والماكـنات (Tools & Machines) كما كان الأمر في الإقتصاد الرأسمالي بل المعرفة والتكنولوجيا !!
كل هذا الحشد من الترهات إنما هو مزاعم سياسية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعلم الإقتصاد. منتجو الخدمات وهم ذوو الياقات البيضاء في الطبقة الوسطى، الطبقة التي تنخر في مختلف الإقتصادات نظراً لطبيعتها الطفيلية، يدّعون بأنهم يبنون اليوم إقتصاداً غنياً خاصاً بهم لا يحتاج إلى قوى عمل العمال ولا إلى رأسمال الرأسماليين. هؤلاء المنتجون هم ألـدّ أعداء الرأسماليين كما العمال سواء بسواء طالما أن خدمتهم ” المعرفية ” تجري مبادلتها خارج السوق بأضعاف أضعاف قيمتها. هؤلاء من طلائعي الطبقة الوسطى هم القوّالون بِ ” إقتصاد المعرفة “. تقولاتهم هذه إنما هي هرطقات العصبية السياسية ومن الأدبيات غير المعقولة للصراع الطبقي المصيري ؛ يخاطرون بمستقبل البشرية ويسيئون إليه وهم يطالبون بحقوق ملكية الفكر والمعرفة الأمر الذي من شأنه أن يحجر على الفكر ويحول دون إنتشار المعرفة. يدّعي هؤلاء الأفاقون أن المعرفة قد غدت في ” الإقتصاد الحديث ” ـ أو ما يتجرأون على تسميته ” إقتصاد ما بعد الرأسمالية ” (Post-capitalism Economy) مما يدلل على جهلهم بخصائص البنى الإقتصادية ـ العامل الحدي في الإنتاج أو في قيمة الإنتاج. هذا إدعاء سخيف بل هو من أسخف إدعاءات الطبقة الوسطى الكثيرة. فالمعرفة لا تمتلك أية قيمة حيث لا تجري مبادلتها في السوق الرأسمالية الحرة. فالشرط الأولي في المبادلة هو أن يتبادل طرفا معادلة التبادل حدّي المعادلـة فيفقد الطرف الأول ما يملك لصالح الطرف الثاني ويملك بدلاً عنه ما كان يفتقد : فمعادلة ( نقد ـ سلعة ) تصبح بعد التبادل ( سلعة ـ نقد ) أما بافتراض أن السلعة هي المعرفة عندئذ تستحيل المبادلة ولا يمكن أن تتحول معادلة ( نقد ـ معرفة ) إلى ( معرفة ـ نقد ) فالطرف الذي يمتلك المعرفة لا يمكن أن يفقدها بحال من الأحوال ؛ يستطيع أن يبادل شغلاً بدرجة معرفية فيكون الشغل هو موضوع التبادل وليس المعرفة. جميع السلع المعروضة في السوق الحرة بمختلف أصنافها وأشكالها تختزن من المعارف الإنسانية ما لا يحصى ولا يعد وبعضها يعود إلى فجر التاريخ الإنساني ومع ذلك فإن العلاقة التبادلية بين جميع هذه السلع تتقرر بحساب الشغل وليس بحساب المعارف المختزنة فيها.
القول بِ ” إقتصاد المعرفة ” لا يعني أكثر من أن منتوجات هذا ” الإقتصاد ” تحقق قيمتها التبادلية بالإعتماد على قيمة المعرفة (Know-How) المختزنة فيها. لقد رفض كارل ماركس مثل هذا المنحى في احتساب القيمة. فقد شرح في مؤلفه الشهير ” رأس المال ” (ج 1 : ص 52) أن إحتساب المعرفة ينحصر فقط في النظر في ” القيمة الإستعمالية ” (Use – Value) للمادة أو الشيء موضوع النظر، القيمة الإستعمالية وليس القيمة التبادلية كما يفترض خطأً المفهوم الأولي لما يسمى باقتصاد المعرفة ؛ وهناك فصل تام بين القيمتين فمن يمتلك مثلاً 20 كرسياً رخيصاً تصلح لأن يجلس عليها عشرون شخصاً ليس أغنى ممن يمتلك كرسيين ثمينين لا يستطيع أن يجلس عليهما سوى شخصين فقط.
يعرّف ماركس الشغل بأنه الجهد العقلي والعصبي والعضلي الذي يبذله الإنسان في عمل نافع. فمنذ أن بدأ الإنسان في الإنتاج فيما قبل التاريخ كانت القوة الجسمانية والمعرفة العصبية العقلانية شرطين سابقين للإنتاج مهما كانت مادة الإنتاج بسيطة وأولية. المفهوم الأولي لما يسمى بالإقتصاد المعرفي يفترض بداية فصلاً تاماً بين الجهدين العضلي من جهة والعقلي من جهة أخرى ؛ إلا أن مثل هذا الفصل هو فصل تعسفي لا يمكن أن يكون في الواقع طالما أن القوة والمعرفة شرطان لا يمكن الإستغناء عن أحدهما في عملية الإنتاج. أما الزعم بأن منتوجات إقتصاد المعرفة لا تختزن داخلها من الشغل إلا ما هو أقل من 1/10 من قيمتها فهو زعم ينطوي على عيبين كبيرين أولهما هو إعتبار حصة الشغل وهي 1/10 شغلاً حيوانياً ليس فيه أي قدر من المعرفة وهذا بالطبع غير صحيح طالما أنه شغل إنساني يستحيل إداؤه بدون معرفة بل هو شغل أُعدّ مسبقاً لينتهي إلى نتيجة محددة ومطلوبة بذاتها كما شرح كارل ماركس. والعيب الثاني هو التسليم بأن قيمة المنتوج هي (عشرة) دون أن يعرض هذا المنتوج في السوق حيث أن المعارف تجري مبادلتها على شكل خدمات خارج السوق ودون أن تخضع لقانون القيمة، القانون العام للسوق. تشترط منظمة التجارة العالمية (WTO) على الدول المنضوية تحت مظلتها أن تعترف مسبقاً بشرعية حق الملكية الفكرية وأن تستن طبقاً لذلك قانوناً يضمن تحقيق هذا الحق. ألا يعني ذلك أن المعارف لا تمتلك أدنى قيمة في السوق الحرة بسبب عدم قابليتها للتملك والتمليك ؟ ثم ألا يعني ذلك أن المعارف تجري مبادلتها خارج السوق وتحت شروط خاصة جداً يحكمها الزمان والمكان في الغالب.
التعرّف الدقيق عـلى جوهر المعرفة يؤكد على أن المعرفة بحـد ذاتها إنما هي منتوج جـانبي (byproduct) لعملية الإنتاج غير مقصود بذاته ؛ فهي لذلك، ولذلك فقط، لا تمتلك أي قيمة تبادلية. وبتفسير أعمّ وأشمل نقول أن المعرفة هي التطور الطبيعي الذي لا يمكن إلغاؤه أو تجاوزه للتناقض القائم أبداً بين الإنسان والآلة. رحلة التغريب التي بدأها الإنسان بالإفتراق عن مملكة الحيوان إنما كانت بسبب إنعقاد مثل هذا التناقض الأبدي الذي لا نهاية له. هذا الإشتباك المتسارع الإلتحام أبداً بين الإنسان والآلة هو الرافعة الوحيدة للأنسـنة (humaneness) كما للحضـارة. المعرفـة الـتي هي مُخـرج (output) الصراع بين المتناقضين، الإنسان من جهة والآلة من جهة أخرى، هذه المعرفة تنصرف في قناة واحدة وحيدة تمر من خلال عقل الإنسان العامل على الآلة لتصب في تطوير الآلة وتحسين فعاليتها. وهكذا يتبين لنا بشكل واضح أن المعارف والأفكار التي كشفت عنها وسائل إنتاج بعينها عادت لتندغم في وسائل الإنتاج إياها لترفع بالتالي من فعاليتها وإنتاجيتها. وفي هذا السياق تحديداً تجدر ملاحظة ما يلي :
أن لكل وسائل إنتاج قدرة معينة في الكشف عن المعارف والأفكار الجديدة. ولذلك أكتشفت تقنية التراسل مثلاً في النصف الثاني من القرن العشرين وليس التاسع عشر أو الثامن عشر.
أن إندغام المعارف الجديدة المكتشفة في وسائل الإنتاج وفي أدوات الإنتاج لا ينعكس في المنتوجات إلا بتخفيض كلفة إنتاجها وقيمتها التبادلية بالتالي. أما المعارف التي تندغم في المنتوجات وتضيف إلى قيمتها الإستعمالية فإنها لا تضيف إلى قيمتها التبادلية إلا بمقدار قيمة الشغل المضاف والمواد المضافة. وفي مثل هذه الحالة بصورة عامة يميل عادة معدل الربح إلى الإنخفاض.
هذه المعارف والمكتشفات الحديثة ومنذ اللحظة الأولى لاستخدامها في الإنتاج تصبح مشاعاً وبلا أية قيمة تبادلية. حكاية البورسلان الصيني القديمة لن تتكرر مرة أخرى وما إصرار منظمة التجارة العالمية على تشريع ” حق الملكية الفكرية ” سوى أن هذا ” الحق ” ليس حقاً طالما أن شروط التجارة الدولية لم تشرّعه عبر التاريخ.
المعارف والمكتشفات المندغمة حديثاً في العملية الإنتاجية من شأنها دون شك أن تنقل وسائل الإنتاج إلى حالة أكثر تقدماً وأوفر إنتاجاً وهو ما ينعكس على المجتمع بصورة إيجابية لكن هذا يجب ألا ينسينا أن حامل كل هذه المعارف والمكتشفات إنما هو الشغل والشغل فقط.
من باب الإعتراف باقتصاد المعرفة والتأكيد على حقيقة وجوده يشير بعضهم مثلاً إلى أن 20% من صادرات بريطانيا في العام المنصرم كانت صادرات ” ثقافية ” أو ” معرفية ” مع التجاهل كونها خدماتية ـ لكن ما هو الفرق بين هذه الصادرات وصادرات بريطانيا الأخرى من الخدمات كخدمات النقل مثلاً ؟ الملاحة الجوية وكذلك البحرية تعتمدان على فيض واسع من المعلومات والمعارف مثلها مثل الخدمات التعليمية والبرمجيات التي أعتبرت إنتاجاً معرفياً. وقد يتساءل المرء عن قيمة ما استهلك منتجو هذه الصادرات المعرفية من منتوجات ليست معرفية قبل أن يتمكنوا من إنتاجها ؟
وأخيراً من قال باقتصاد المعرفة، ولماذا؟؟
كان النظام الرأسمالي الإمبريالي هو النظام الأوفر إنتاجاً بين كل الأنظمة التي جربتها البشرية خلال تاريخها الطويل. جاء البلاشفة الروس بقيادة لينين عام 1921* وأعلنوا عن مشروعهم في تفكيك النظام الرأسمالي العالمي والإنتقال بالعالم عبر الثورة الإشتراكية إلى النظام الشيوعي اللاطبقي الذي يضمن لكل الناس الحياة الرغيدة دون خوف أو استغلال. ما كان لسوء حظ البشرية جمعاء هو أن النظام الرأسمالي قد تفكك في السبعينيات كأحد تداعيات الثورة الإشتراكية لكن ورثاء مشروع البلاشفة عجزوا عن نقل العالم إلى النظام الشيوعي بل إنهم عملوا على إنهيار الثورة. تبعاً لهذه التراجيديا التاريخية دخل العالم في الربع الأخير من القرن المنصرم مرحلة اللانظام (chaos) وهو ما أتاح لقوى الشر أن تسود العالم. وتتجسد هذه القوى الشريرة اليوم في المافيات الثلاث التالية..
الولايات المتحدة الأميركية ووراءها الدول ذوات العملات الصعبة. تصدر الولايات المتحدة سنوياً عشرات المليارات من الأوراق المالية الخضراء التي لا تساوي قيمتها في الحقيقة قيمة الحبر الذي طبعت به. تجد هذه الأوراق طريقها إلى الأسواق العالمية بحكم سطوة البندقية وليس بقوة القيمة. تعترف الولايات المتحدة اليوم بدين عام يصل إلى (8000) ملياراً من الدولارات وهو ما يزيد على ديون العالم مجتمعاً. لكن الحقيقة تقول أن ديون الولايات المتحدة الأميركية تزيد على خمسة أمثال هذا الرقم وعلى أربعة أمثال مجمل إنتاجها القومي. في صباح ليس ببعيد سينهض كل الذين يدخرون الأوراق الخضراء في خزائنهم ليجدوا أن هذه الأوراق لا تستحق أكثر من الإلقاء في كيس القمامة.
سماسرة البورصة.. سمسار واحد يجلس في مكتبه المريح أمام شاشة صغيرة وتلفونه الناعم يستطيع أن يكسب خـلال ساعة واحـدة ما ينتجه عمال بريطانيا في يـوم عمل شاق. فلماذا العمل في الصناعة القذرة وتحمل مسؤولية العمال وإضراباتهم ؟!! 97.5% من الأموال المعدة للتوظيف في الصناعات يحبسها السماسرة في صناديقهم لاستعمالها في المضاربات.
الطبقة الوسطى السائدة اليوم في مختلف دول العالم. هذه الطبقة تنتج الخدمات وبادعاء أن خدماتها منتوج خاص جداً بحكم ما يحتويه من علوم ومعرفة فعلى العمال أن يدفعوا غالياً جداً في مبادلته بمنتوجهم الرخيص الخالي من كل علم ومعرفة !! وهكذا تقوم الطبقة الوسطى بافتراس وحشي للطبقة العاملة لا مثيل له تحت مظلة كاذبة اسمها “إقتصاد المعرفة “.
ما هو جدير بالملاحظة هنا هو أن هذه المجموعات المافيوية الثلاث إنما تعمل على قاعدة واحدة بعينها كانت قد أسستها قمة الدول الأغنى (G5) في إجتماعها الأول في رامبوييه ـ باريس 1975، وهي إلغاء الوظيفة الأساسية للنقد والفصل بينه وبين قيمته الحقيقية تبعاً لذلك ؛ وكان هذا هو الهدف المعلن بكل صراحة لرؤساء أميركا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا واليابان المجتمعين في ذلك المؤتمر. عندما لا يشير النقد إلى قيمته الحقيقية يصبح بإمكان أي مافيا أن تفرض قانونها الخاص سواء في السوق أم خارج السوق حيث ينبت كالفطر السام إقتصاد المعرفة، وإقتصاد الخدمات، وإقتصاد الطريق الثالث، وإقتصاد ما بعد الرأسمالية، وإقتصاد العولمة وإقتصاد ما بعد الإقتصاد ـ وهذا الأخير هو الأقرب إلى الحقيقة.

يا عمال العالم أفيقوا قبل أن تأكلكم الضباع الدنيئة وقبل أن تنقرضوا !!

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1

    معلوم ان هذا ليس فكرنا ولكن احببنا ان نريكم كيف هم يفكرون والى اين يوجهوننا