اليوم الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 - 9:37 مساءً
أخر تحديث : الأحد 26 يوليو 2015 - 10:33 صباحًا

موت الرأسمالية أم بداية نهايتها؟ – كتاب جديد ل “بول ميسون”

بقلم: عصمت فريد وتد *
لفت انتباهي وأعجبني مقال نشر مؤخرا في صحيفة The Guardian البريطانية وقبل يومين بالتحديد، حول كتاب جديد سيتم إصداره نهاية هذا الشهر تحت عنوان: “ما بعد الرأسمالية – Post Capitalism”.
هذا الكتاب يعيد النظر في الفكر الرأسمالي من جديد، ويثير تساؤلات عديدة مفادها هل انقضى حقا عهد النظام الرأسمالي وولى وأدبر وتلاشى من بين أيدينا من حيث لا ندري؟؟؟
مؤلف الكتاب هو بول ميسون، خبير اقتصادي وصحفي بريطاني، يحمل لقب بروفسور من جامعة ويلبرهيمبتون.
يحاول المؤلف تحذيق النظر وتمحيصه في الاقتصاد العالمي في القرن الواحد والعشرين بشكل عام وفي الفكر الرأسمالي بشكل خاص، خاصة بعد تكرار الأزمات المالية والفقاعات الاقتصادية التي داهمت وما تزال تداهم المجتمع الغربي بشراسة.
يقول المؤلف: أننا، ومن حيث لا ندري ولا نشعر، نزحف بشكل تدريجي من عهد الرأسمالية المتمثلة بالاقتصاد الحر واليد الخفية (كمقولة آدم سميث الشهيرة)، الى عهد جديد ونظام فريد اسمه “ما بعد الرأسمالية – Post Capitalism”.
ما هو جوهر هذا الزحف وهذا الانزلاق وهذا الانتقال؟ ما الذي أدى لحدوثه؟ ماذا خلف لنا المبدأ الرسمالي؟ ما هي أعراضه وسيئاته؟ وهل نجح في تطوير البشرية على مستوى أفرادها؟ يتحاور الكتاب مع هذه التساؤلات ملامسا بعضا من معالمها، منها على مستوى التعمق ومنها على مستوى السطحية.
يعزي المؤلف لب حلول العهد الجديد الى عوامل عدة منها: تكنولوجيا المعلومات وأساليب العمل الحديثة التي لم يعهدها التاريخ من قبل واقتصاد الشراكة وغيرها.
من الجدير أن أنوه أنه منذ فجر تبلور المجتمع الليبرالي في الغرب فأن حبرا كثيرا انسكب لمعاينة ومعالجة قضايا اقتصادية ملحة، كانت وما زالت مستعصية مترسخة مكابرة، وما أكثرها!! أذكر على سبيل القصر لا الحصر: الطبقية الاجتماعية، تراكم المال وتكدسه بأيدي “حيتان” لا يشبع بطونهم إلا التراب، توزيع المال غير المنصف وغير العادل بين أفراد المجتمع, التلاحم الفتاك بين أصحاب الأموال ورؤساء السلطة وغيرها من ال”مهلكات” ال”مضنيات”.
لذا فإن هذا الكتاب ينضم إلى قافلة مديدة طويلة من أمهات الكتب العالمية الشهيرة لمفكرين عالميين عالجوا إحدى أهم القضايا على مر الأزمنة والعصور – ألا وهي “المال – The Capital”.
ومما يذكر من تلك الكتب العالمية الشهيرة كتاب “غنى الشعوب” لآدم سميث (عام 1776)، وكتاب “المال” لكارل ماركس (عام 1867)، والكتاب الرائع الجديد “المال في القرن الواحد والعشرين” (عام 2014) لرجل الاقتصاد الأول عالميا اليوم، الفرنسي توماس بيكيتي. فجميع هؤلاء المفكرين الغربيين حاولوا أن يسعوا لاهثين لإيجاد معادلة “سحرية” لإنقاذ البشرية من أزماتها وفقاعاتها ومنحدراتها الاقتصادية الفتاكة القتالة، ولكن دون جدوى…
كيف السبيل للاسترسال في موضوعنا دون أن نقف وقفة أجلال أمام ما ورثت ايدي فقهاء الإسلام للعالم من كتب سطرت بماء من ذهب، كتبت منذ القرن الثامن الميلادي؟؟؟ أنه لمن المشرف لنا، أبناء دين الإسلام الحنيف أن ننتميَ لأمة سطرت شريعتها سياسة المال منذ القرن السابع الميلادي بدقة توحي أن لا مجال للمقارنة بين قوانين ربانية نزلت من فوق سبع سماوات وبين قوانين وشرائع وضعية متخبطة ملتمسة إسعاد البشرية دون نتيجة. فحين عاشت القارة العجوز أوروبا ظلمة حالكة وتخلفا سببته الكنيسة الكاثوليكية منذ فجر التاريخ حتى القرن الثامن عشر، وحين لم تظهر بعد على خارطة العالم السياسية دولة اسمها ولايات متحدة أمريكية. يبهر فقهاء الإسلام العالم بمخطوطات فتحت ينابيع العلم والمعرفة. فهذا كتاب “الأموال” للعالم والفقيه والنحوي والموسوعي أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله، يتألق في سماء العلم والمعرفة منذ القرن الثامن الميلادي، وهذا كتاب “الخراج” للإمام الهمام أبي يوسف يعقوب بن ابراهيم صاحب أبي حنيفة، يزف للبشرية كتابا شاملا لواردات الدولة أيام هارون الرشيد، ناهيك عن “الأحكام السلطانية” للماوردي وأبي يعلى, والقائمة مديدة وفيرة طويلة سديدة… ستحظى لكتابة مستقبلية خاصة من قبلي بمشيئة الله.
بعد هذه المقدمة أنتقل لأذكر ما ورد في طيات كتاب “ما بعد الرأسمالية–Post Capitalism” بنقاط موجزة سريعة:
1. الفكرة المركزية هي اننا، ومن حيث لا نشعر، ننتقل الى عهد اسمه “ما بعد الرأسمالية”، وإن السبب الرئيسي لهذا الانتقال يعود إلى تكنولوجيا المعلومات ووسائل العمل الجديدة واقتصاد الشراكة والعمل الشبكي (بخلاف التسلسل الهرمي) والشراكة لا الإدارة.
2. نحن على عتبة عهد نقاوم فيه الأزمات المالية الناجمة عن الرأسمالية “الخنزيرة” (هذه كلماتي وليست كلمات المؤلف) دون اللجوء لسلاح الثورات والانقلابات والسجالات والصولات والجولات. نحن في مرحلة انتقالية لعالم مبني على المجتمع لا على الاقتصاد الحر والمنافسة والأسواق غير المقيدة.
3. هل هذا يعني ان الفكر اليساري ألاقتصادي، والقريب من الفكر الاشتراكي، صادق في نقده الشديد للرأسمالية ؟ كلا وألف كلا (برأي المؤلف). لكن حلم اليسار ان الاقتصاد الحر سيهزم على يد طبقة العمال لم يتحقق.
4. يتساءل المؤلف: كيف ولد هذا العهد الجديد؟ فيجيب: “لقد خلقت التكنولوجيا المحوسبة فرصة ذهبية جديدة تتمحور في عدم الحاجة الماسة للأيدي العاملة كما عهدنا سابقا، اضافة إلى الحدود غير الواضحة بين ساعات العمل وساعات الفراغ (عليك بظاهرة الموظفين الذين يعملون من بيوتهم دون الحاجة الى الخروج لأماكن عملهم), أضف إلى ذلك عدم العلاقة بين عدد ساعات العمل وقيمة الدخل والربح (عليك بالشعار المتداول في الغرب اليوم “من يكد ويعمل لن يتبقى له الوقت لجمع الأموال”..). فكل هذه الامور مجتمعة تعتبر اساسا وعمادا وركازا لفكر اقتصادي حديث جديد غريب يدعى “ما بعد الرأسمالية””.
5. ما هي مساوئ وسلبيات النظام الرأسمالي التقليدي بنظر المؤلف؟ يقول أن هذا النظام قد فشل على اصعدة كثيرة منها :
1) بدلا من ان تؤدي الثورة الصناعية إلى ارتفاع رواتب العاملين الأجيرين وإلى خلق فرص وأماكن عمل جديدة (عوضا عن التي فقدت) – حدث العكس تماما.
2) فقاعات وأزمات مالية متكررة تطل علينا بين الفينة والاخرى.
3) ركود وانكماش اقتصادي يعصف بدول أوروبية صناعية في غاية التطور الاقتصادي (ناهيك عن الدول النامية الفقيرة في آسيا وأفريقيا).
4) عجز مالي للدول (وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية).
6. أليس للرأسمالية دواء يستطب به لداء تلك المساوئ؟ عجزت الرأسمالية برأي المؤلف عن التغلب على تلك المعقبات والمعضلات، فانهيار عام 2008 المشهور باسم “Sub Prime Crises” اوجد ركودا اقتصاديا مستوحشا ومستمرا، وجعل الاقتصاد العالمي يمشي الهوينا “مكانك سر”، وهدمت سياسة التقشف “والزهد” للدول التي تعاني من عجز مالي متفاقم لأنها تعيش على حساب مستقبلها، هدمت جهاز التقاعد (Pension) والضمان والأمن الاجتماعي هدما مبينا.
7. هل يعتبر عهد “ما بعد الرأسمالية” نظرية براقة زهية بهية ام هو فكر رجلاه على الارض ورأسه في السماء من الممكن تحقيقه على أرض الواقع؟ يجيب المؤلف بالإيجاب على هذا التساؤل مشيرا إلى مصطلحات جديدة مثل: جمعيات تموينية تعاونية، مبادرات للتصنيع المشترك، إدارة ذاتية، خزانات للوقت (والعمل) وغيرها من المصطلحات الغريبة لمسامعنا وأذهاننا.
8. ما هو المحرك لهذا الفكر الجديد؟ ان فكرة “ما بعد الرأسمالية” تستمد قواها ومدادها من محركات فريدة جديدة كالعمل الشبكي والسلع التي لا قيمة لها (كالمعلومات عند ال”شيخ” Google وويكيبيديا..). هل هذا مثير للعجب والغرابة وربما للسخرية؟ يتساءل فيجيب: “دعهم يسخرون اليوم من هذه الأفكار كما سخر العالم من فكرة النقود والقروض في فترة ادوارد الثالث”.
9. ما هي الموارد الحقيقية لل- Post Capitalism”؟ إن وسيلة الانتاج الحقيقية اليوم هي كنز المعلومات، فهي الماكنة التي تسحق سعر السلع والمنتجات والخدمات، وهي السبب الحقيقي لتخفيض وتخفيف عدد ساعات العمل. والأهم من ذلك هو أن تكلفة انتاج هذا المنتوج العجيب – المعلومات – هي صفر!!! لذلك فهذا المنتوج الاقتصادي (المعلومات) لا يخضع لقوانين “النقص” الاقتصادية المألوفة والمعروفة في علم الاقتصاد.
10. من كان اول رجل اقتصاد غربي تحدث عن المعلومات؟ كارل مارك هو اول من تحدث عن القوة الحقيقية للمعلومات، فقال أن طبيعة المعرفة الكامنة في الماكنة يجب ان تكون اجتماعية.
11. ما هو الاحتمال ان شيئا غامضا كهذا الفكر من المنطق أن يتحقق؟ يرى المؤلف أن كل شيء ممكن في الاقتصاد العالمي اليوم وأنه من الصعب بمكان أن نتصور صبغة وطبيعة ومعالم اقتصاد العالم مستقبلا، ويضيف مسترسلا: كما ان شكسبير لم يتوقع كيف ستبدو الحياة ايام ديكنز فلا نستطيع رسم وجه الاقتصاد العالمي المستقبلي بتجعيداته ونتوءاته. ويذكر في هذا السياق كيف كان العالم في القرون الوسطى سيسخر لو طرحت عليه فكرة منح حق التملك للفلاحين العبيد آنذاك، لذلك فلن أتفاجأ من سخرية واستهزاء الناس اليوم من تلك المصطلحات الأنف ذكرها.
12. هل هناك حاجة لثورة من أجل الانتقال من عهد إلى عهد؟ كلا, لان برمجه عالم “ما بعد الرأسمالية” هي بمثابة برنامج حاسوب، فليس من العجيب أن يكون الانتقال تدريجيا.
13. وماذا بخصوص النخبة من أغنياء العالم؟ ماذا سيحدث لذوي السيارات الفاخرة والطائرات الباهظة والبنايات الشامخة والشركات النفيسة؟ لا احد يعلم ماذا سيحل بهم، لأننا نعيش في ديمقراطية كاذبة (على حد قوله) مبنية على الظواهر السلبية الآتية:
أ‌. رجال سياسة مرتشون (بيرلوسكوني في ايطاليا واولمرت في اسرائيل وزمرتهما…).
ب‌. الصحف المسيطر عليها من قبل الحيتان أصحاب الأموال (مثل صحيفة ישראל היום).
ت‌. العلاقة بين رؤوس الأموال والحكام.
ث‌. الغنى الفاحش والفقر المدقع وتراكم راس المال بأيدي قلة قليلة لا تخاف في الله لومة لائم.
تلك النبذة البسيطة من الترسبات جعلت من المفاهيم الرأسمالية التقليدية وهما ورواية جميلة تحكى للطفل قبل نومه، وأن الملايين من بني البشر يدركون اليوم حق الإدراك أنه بيع لهم حلم جميل وهمي مناقض للواقع كل التناقض. لذا فإن عدم الشفافية في “أكذوبة الرأسمالية والديمقراطية” قد يؤدي الى غضب شديد من شأنه أن يولد اشكالا قومية للرأسمالية كما هو الحال في الجبهة الوطنية الفرنسية واليمين الامريكي واليونان في الآونة الأخيرة…

* عصمت فريد وتد * (مراقب حسابات, BA حسابات واقتصاد, MA قانون, MA علوم سياسية)

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 2 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1

    جزاك الله خيرا ابا عمر
    الكلام عن الامور الاقتصاديه بالاهمية بمكان لا سيما في ايامنا التي فيها فتنة المال باتت تعصف بلا رحمه الجميع (دولا, مؤسسات , وافراد) واصبح الكثير منا يدور في حوامة مهلكه لا هو ناج منها ولا قادر ان يحتمل دورانها
    لذا انصحك اخي اكمال ما بدات بسلسلة مقالات تراعي فيها ما يلي
    ايصال فن وفلسفة الاقتصاد الاسلامي والراحة الكامنه في تطبيقه والويلات التي تصيب من يعرض عنه
    تناول في كتابتك مقالات في ترشيد الاستهلاك
    بيان عظمة الاسلام من خلال النظام الاقتصادي ومنهج التكافل والتعاون بين المسلمين (الغني يعين الفقير بعكس الراسماليه …..)
    ان تحاول ان بكون الكلام بسيطا سهلا تراعي فيه العامه
    ان لا يكون طويلا مملا ولا قصيرا مخلا
    اذكرك اخي ان الموضوع في غايية الاهميه وانت اهل لان تستخرج لنا ما ينفعنا
    وعذرا اني تطفلت
    وجزاك الله خيرا

  2. 2

    رائع أخ عصمت ! جزاك الله خيرًا وزادك علمًا وألقًا .

    وأرى أنّ من عليهم أن ينتفع به أصحابه الّذين تركوا دروب الصّلاح وباتوا يلهثون وراء سراب الرأسمالية الزّائفة ….وإنّي لأرى أنّ نهاية المطاف ستكون عودة إلى مستقبل الإنسانيّة كما أرادها ربّ العباد…..تحيّاتي لك.