اليوم الأربعاء 28 يونيو 2017 - 6:29 صباحًا
أخر تحديث : الثلاثاء 11 أغسطس 2015 - 3:47 مساءً

إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب بقلم عصمت فريد وتد 

إثر المقال السابق حول مستقبل الرأسمالية وردت تساؤلات عديدة تستفسر عن ماهيتها، أسسها، ميزاتها، تاريخها وعلاقتها بالشريعة الإسلامية. لذا رأيت أن من الضرورة بمكان أن نبحر قليلا في تلك التساؤلات موجزين حاصرين

لمحة تاريخية:

لقد حكم الملوك الإمبراطورية الرومانية في أوروبا مئات السنين بالحديد والنار، وامتصوا بمعية الباباوات واساقفة الكنيسة الموارد والخيرات والنعماء، ثم جاء نبلاء الإقطاع فنحّوا الملوك جانبا، ثم أطلت الثورة الزراعية بزهوّها وحليّها، فتبعتها الثورة الصناعية بحميمها وبهيها.

لقد خلفت الثورة الصناعية ما بين القرنين  14 و-16 طبقة برجوازية سعت جاهدة للتخلص من النبلاء الإقطاعيّين. في تلك الفترة بزغ فجر فلاسفة ومفكرين أخذوا يتغنون بالحرية الفردية (الفردانية) كجان جاك روسو وجون لوك، ضاربين فكرة العقد الاجتماعي الشهيرة للفيلسوف ميكافيلي عرض الحائط. لكن التغني الحقيقي والرسمي بالرأسمالية بدأ في نهاية القرن ال-16 وظهر المذهب الحر (الطبيعي) في منتصف القرن ال-18.

فلاسفة الرأسمالية

François Quesnay  فرانسوا كيناي (1694-1774): منظّر للفكر الفلسفي وزعيم المدرسة الطبيعية، أتقن علم الطب والجراحة والاقتصاد، فكان طبيب عشيقة لويس ال-15 الخاص، وكان عبقريا ألمعيا في علم الاقتصاد، ومن أشهر مؤلفاته كتاب “الجدول الاقتصادي” الذي يعتبر ثالث أعظم اكتشاف اقتصادي في العالم بعد النقود والكتابة، والذي ضم شرحا وافيا لدورة الدخل القومي وطريقة توزيعه وقال أن المال هو دورة تدور في السوق ويحل إشكالاته بذاته من خلال “يد طبيعية خفية” تسير بالاقتصاد بوتيرة فردانية طبيعية كسير الدم في العروق.جون لوك (1638-1704): فيلسوف من مؤيدي الفردانية والملكية الخاصة وصاحب القول المأثور عنها: “وهذه الملكية هي حق من حقوق الطبيعة وغريزة إنسانية طبيعية”.ديفيد هيوم (1711-1776): من أشهر الملاحدة والعلمانيّين. سجد للنفعية والسببية وقدّسهما ونسب للنفعية كل تصرف وقرار بشري.آدم سميث (1723-1790): صاحب منهج الفلسفة الرأسمالية الكلاسيكية المنتصر للمذهب الحر، لكنه لم يهمّش جانب الاخلاق. كتب أعظم مؤلف اقتصادي-اجتماعي  في تاريخ الانسانية تحت عنوان ” The Wealth Of Nations – غنى الشعوب”.ديفيد ريكاردو (1772-1823): اقتصادي إنجليزي تحدث عن “الأفضلية النسبية”.جون ستيوارت ميل (1806-1873): المفكر الليبرالي الأكثر تأثيرا في القرن ال-19.

تلالا

إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب بقلم عصمت فريد وتد 
19:34 09/08/2015قلم عصمت فريد وتد

إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب

بقلم: عصمت فريد وتد (مراقب حسابات, BA حسابات واقتصاد, MA قانون, MA علوم سياسية)

إثر المقال السابق حول مستقبل الرأسمالية وردت تساؤلات عديدة تستفسر عن ماهيتها، أسسها، ميزاتها، تاريخها وعلاقتها بالشريعة الإسلامية. لذا رأيت أن من الضرورة بمكان أن نبحر قليلا في تلك التساؤلات موجزين حاصرين.

 

لمحة تاريخية:

لقد حكم الملوك الإمبراطورية الرومانية في أوروبا مئات السنين بالحديد والنار، وامتصوا بمعية الباباوات واساقفة الكنيسة الموارد والخيرات والنعماء، ثم جاء نبلاء الإقطاع فنحّوا الملوك جانبا، ثم أطلت الثورة الزراعية بزهوّها وحليّها، فتبعتها الثورة الصناعية بحميمها وبهيها.

لقد خلفت الثورة الصناعية ما بين القرنين  14 و-16 طبقة برجوازية سعت جاهدة للتخلص من النبلاء الإقطاعيّين. في تلك الفترة بزغ فجر فلاسفة ومفكرين أخذوا يتغنون بالحرية الفردية (الفردانية) كجان جاك روسو وجون لوك، ضاربين فكرة العقد الاجتماعي الشهيرة للفيلسوف ميكافيلي عرض الحائط. لكن التغني الحقيقي والرسمي بالرأسمالية بدأ في نهاية القرن ال-16 وظهر المذهب الحر (الطبيعي) في منتصف القرن ال-18.

فلاسفة الرأسمالية

François Quesnay  فرانسوا كيناي (1694-1774): منظّر للفكر الفلسفي وزعيم المدرسة الطبيعية، أتقن علم الطب والجراحة والاقتصاد، فكان طبيب عشيقة لويس ال-15 الخاص، وكان عبقريا ألمعيا في علم الاقتصاد، ومن أشهر مؤلفاته كتاب “الجدول الاقتصادي” الذي يعتبر ثالث أعظم اكتشاف اقتصادي في العالم بعد النقود والكتابة، والذي ضم شرحا وافيا لدورة الدخل القومي وطريقة توزيعه وقال أن المال هو دورة تدور في السوق ويحل إشكالاته بذاته من خلال “يد طبيعية خفية” تسير بالاقتصاد بوتيرة فردانية طبيعية كسير الدم في العروق.جون لوك (1638-1704): فيلسوف من مؤيدي الفردانية والملكية الخاصة وصاحب القول المأثور عنها: “وهذه الملكية هي حق من حقوق الطبيعة وغريزة إنسانية طبيعية”.ديفيد هيوم (1711-1776): من أشهر الملاحدة والعلمانيّين. سجد للنفعية والسببية وقدّسهما ونسب للنفعية كل تصرف وقرار بشري.آدم سميث (1723-1790): صاحب منهج الفلسفة الرأسمالية الكلاسيكية المنتصر للمذهب الحر، لكنه لم يهمّش جانب الاخلاق. كتب أعظم مؤلف اقتصادي-اجتماعي  في تاريخ الانسانية تحت عنوان ” The Wealth Of Nations – غنى الشعوب”.ديفيد ريكاردو (1772-1823): اقتصادي إنجليزي تحدث عن “الأفضلية النسبية”.جون ستيوارت ميل (1806-1873): المفكر الليبرالي الأكثر تأثيرا في القرن ال-19.

أسس النظام الرأسمالي:

الدولة مهمّشة اقتصاديا ولا حق لها في التدخل في مفاصل الاقتصاد، فالشعار هو “دعوا السوق للسوق”.كل الوسائل متاحة لكسب الربح دون قيد أو مانع خلقي أو أخلاقي.العقد هو شريعة المتعاقدين بضوابط تقننها تشريعات وبرلمانات.تقديس الفردانية وعدم نبذ الأنانية كقول أحدهم: ” إن ابن آدم لا يعطيك نعجته إلا ليأخذ الثور والجمل” أو كقول آدم سميث: “نحن لسنا بحاجه لمروءة القصّاب والخبّاز والطاهي لإطعامنا، لأن حرصهم على مصالحهم وأرباحهم يحفزّهم على الجد والكد لإعداد وجباتنا”. فالأنانية غريزة إنسانية حميدة (كما يدعون)، ومن اجل بناء جهاز اقتصادي وطيد حصين متين علينا أن نؤمن ان الناس كالذئاب يأكل القوي منهم الضعيف (كما يؤمنون).تقديس الملكية الشخصية: افعل بمالك ما تشاء وورثه لمن تشاء, “وإن كان الوارث كلبا عزيزا أو قطا أليفا لطيفا” فلا حق لأحد أن يتدخل في حرية ملكيتك.سعر السلعة مبني على تكلفة مكوناتها (بخلاف النظام الاشتراكي الذي يعتبر ما قدمه العامل من جهد وعمل مقياسا للسعر).يجب امتصاص كل الطاقات الكامنة في الكون للوصول الى أقصى ربح ممكن.حرية العرض والطلب والتنافس بين المستهلكين والمستثمرين: فالتنافس يضفي على السلعة جودة ويمنحها سعرا منطقيا، ولا يترك للمحتكر مكانا في السوق، ويوصل المستهلك والمنتج إلى نقطة التوازن المثالية لكليهما. وكلما انزلقا أو ازدلفا من تلك النقطة أبت قوى السوق الخفية إلا أن تعيدهما إليها.

اسطورة (أكذوبة) السوق الحر

هل هناك أسواق حرة ونقية من تدخل الحكومات المدعية لتطبيق الرأسمالية؟ لنشير إلى بعض الأمثلة:

حتى عام 1819 أتاح سوق الايدي العاملة البريطاني للأولاد ان يعملوا في كل جيل، ولما اقترح البرلمان قانون منع تشغيل الأولاد دون سن 10 سنوات اعتبروا اقتراح القانون معاديا لفلسفة السوق الحر وتدخلا بحرية العقد المقدّس بين الطفل ومشغّله، لذلك فالدولة بتدخلها دنست قدسية حرية التعاقد.بيع وشراء الوظائف الحكومية وقرارات المحاكم ونتائج الانتخابات والمخدرات والكحول والسلاح… فكلها لا تباع في الأسواق الحرة.الحاجة الى رخص العمل للطبيب والمحامي ومراقب الحسابات والصيدلي والمعلم وغيرهم من ذوي المهن والحرف.عدم السماح بإقامة البنوك وشركات التأمين لكل من يريد.قيود تكبّل أيدي كل شركة تود تجنيد رأس المال في سوق المال من خلال بيع اسهم ومستندات.رقابة الاسعار وتحديدها (كأجرة البيوت السكنية في دول معينة).قانون الحد الادنى للراتب الشهري (4650 ش.ج في أيامنا هذه).قوانين لمحاربة الهجرة الى الدول، فيمنع العامل الصيني زهيد الراتب من العمل في شركة امريكية تدفع لعامليها 10 اضعاف ما يتقاضى للعامل الصيني في الصين مثلا.نسبة الفائدة تحدد من قبل الحكومات رغم منح الصلاحية للبنوك المركزية.قوانين الجمارك تمنع البضاعة من الانتقال من دولة الى دولة حفاظا على البضاعة المحلية.

فكل هذه الأمثلة تبيّن بيانا جليا أن الأسواق بعيدة كل البعد من أن تكون حرة طليقة خالية من تدخل الدول

غغغ

سراب وضباب:

قالوا لنا معاندين: اتركوا الاسواق لنفسها فإن اليد الخفية تقودها إلى بر الأمان آمنة مطمئنة سخاء ورخاء.

أصروا على إقناعنا مكابرين: ان تدخل الدول بالأسواق هو آفة مناهضة مناقضة لنجاعة الأسواق تفسدها وتهلكها.

غزوا فكرنا مضلّلين: إن الفكر الرأسمالي نقي من تدخل الدولة فغدا أرقى وأسمى فكر اقتصادي علّمته الانسانية البشرية.

لكن رغم جميع تلك المحاولات جاءت الأزمات والفقاعات والصدمات المالية فكشفت النقاب عن ذلك السراب والضباب الذي يحسبه الظمآن ماء، فكفى أن نذكر كيف تدخل البيت الأبيض الأمريكي بشراسة بالسوق في حزيران 2008 وحول 200 مليار دولار للاتحاد الفيديرالي للقروض وامّمهُ، وكيف رصد 700 مليار دولار لشراء “موجودات سامة” خنقت الاقتصاد الأمريكي. إن هذا التدخل يعتبر اكبر تدخل حكومي في تاريخ الانسانية، والأمثلة مديدة وفيرة جعلت الأخصائيّين يجمعون، أن الرأسمالية غير مطبّقة بحذافيرها اليوم، وأن تاريخ الرأسمالية هو نضال وكفاح على حدود السوق، وأن مجرد الاعتراف بغموض تلك الحدود مهم لأن نعي وندرك أن علم الاقتصاد ليس علما طبيعيا كالفيزياء والكيمياء والأحياء، وإنما هو متشابك بالسياسة متأثر بها، وأن وعلى خبراء الاقتصاد ان يتحرروا من أسطورة السوق الحر كما يتوهمون ويوهمون.

أين كل هذا من النظام الاقتصادي الإسلامي؟

هل هناك إشكال للشريعة الاسلامية مع الفردية والفردانية والملكية الشخصية؟ هل جميع العقود مباحة في ديننا القويم كبيع ما لا تَملِك، بيع بيع ما ليس عندك، بيع ما ليس متقوّماً، بيع الغرر (الذي ظاهره يغر المشتري وباطنه مجهول)، بيع الجهالة، بيع الملامسة، بيع المنابذة، بيع تلقي الركبان وبيع ما لا يُتملّك (من ماء، هواء، قطعة أرض على القمر وغيرها)؟ هل غاية الربح تبرر كل الوسائل؟ ماذا بشأن التسعير؟ ما هو دور الدولة في السوق؟ أيجوز لها أن تكون لاعبا محوريا ومركزيا؟ سنصول ونجول في خضم هذه الأسئلة العريضة بسلسلة مقالات مستقبلية. والله الموفق.

 

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1

    ما هو المقصود ¡¡¡¡¡¡