اليوم الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 - 11:55 صباحًا
أخر تحديث : السبت 22 أغسطس 2015 - 11:58 صباحًا

وأحلَ اللُهُ البيعَ وحرّم الربا / عصمت وتد

توطئة

     يقول الإمامُ الغزاليُّ في احيائه: “يظن الجاهل ان الحلالَ مفقودٌ وان السبيلَ للوصول اليه مسدود، حتى أنه لم يبقَ من الطيّب غير الماء الفُرات والحشيش الثابت في المَوات، وما عداه فقد أخبثته الأيدي العادية وأفسدته المعاملة الفاسدة. لكن الامر ليس كذلك، فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات”، وانما الذي فُقِد هو العلمُ بالحلال وكيفيةُ الوصول اليه”.

     رُوِيَ عن الفاروق عمرَ أنه قال: “لا يَبِع في سوقنا الا من تفقّهَ، وإلا أكل الربا شاء أم أبى”، وروي عنه أنه كان يضرب من دخل السوق دون أن يكون عالما بأحكام البيع والشراء.

     قال ابن نجيم الحنفيُ في البحر الرائق : “وكان التجارُ في القديمِ اذا سافروا استصحبوا معهم فقيها يرجعون اليه”.

     كيف ندري اِن كنا أكلنا الربا ظانين أنه بيعا؟ لقد تعقدت هيئات معاملاتنا المالية المعاصرة وحيثياتها في أيامنا، فاصبح مستعصيا علينا تمييز الخبيث منها من الطيِّب، والحلال من الحرام، فهنالك معاملات مالية ظاهرها بيع حلال وباطنها ربا حرام. لذا فمن أجل اتقاء الشبهات أصبح لزاما علينا ان نجعل بيننا وبين تلك المعاملات سترةً من الحلال، علّنا استبرأنا لديننا وعِرضنا، وحينئذ نرعى بطمأنينة وسكينة حول الحمى دون أن نوشك أن نرتع فيه. ألم يخبرنا الحبيبُ المصطفى أنّ لكل ملِك حِمى وأنّ حمى الله محارمُه؟

     قالت اخت بشرِ الحافي للإمام احمدَ رحمه الله: انا نغزل على سطوحنا فتمر بنا مشاعلُ الطاهرية (حرس الحريم الطاهري ببغداد)، فيقع الشعاع علينا، أفَيجوزُ لنا الغزل في شعاعها؟ قال: من أنتِ عافاك الله؟ قالت: اخت بشر الحافي. فبكى وقال: من بيتكم يخرجُ الورعُ الصادق، لا تغزلي في شعاعها.

     فأين نحن من ذلك الورع في معاملاتنا؟ وأين نحن من العلم بحيثيات تلك المعاملات وجوهرها وميزاتها؟

نظام الملكية الفردية في الاسلام

     اِستمرارا للفكرة الأخيرة في المقال الفائت والتي تساءلتُ به عن موقف الشريعة من الملكية الفردية والبيوع المحرمة وغيرها، سأتطرق الى نظام الملكية الفردية من مرآة إسلامية، ناقلا ما جاء به فقهاؤنا.

    اِلا أنه بداية علينا أن نبيِن أنه عند كلامنا عن السياسة الاقتصادية في الاسلام علينا ان نفصل بين جانب الحياة الاقتصادية العملية وقوانينها مثل قانون العرض والطلب، وبين الجانب التشريعي الاِقتصادي كما ورد في مصادر التشريع. فقوانينُ الحياةِ الاقتصاديةِ العمليةِ تكتشفها التجربة والممارسة والاستقراءُ والاحصاء، وهي شبيهة بقوانين الكون من جاذبيةٍ وطاقةٍ وقوةٍ نابذة وغيرها. اما التشريع الاقتصادي فيصبو اِلى علاقات اقتصادية أساسها العدل وحل الأزمات الاقتصادية الناجمة عن تلك الحياة الاقتصادية العملية.

     لم يحارب الاِسلام الملكية الفردية، لذلك منح الفرد حق التملك في حيازة الأشياء، لاعتبار ذلك الحقّ فطرة اِنسانية بشرية طبيعية، وجعله قاعدة أساسية في علم الاقتصاد، فأباح البيعَ والشراءَ والاجارةَ والهبةَ والوصيةَ وسائر المعاملات المباحة، لكنه قيّده وضبطه وأطَّره حفاظا على ملكية الآخرين، فحرّم الربا والرشوةَ والاحتكارَ وسائرَ المعاملات المحرمة. أضف اِلى كل هذا ثمة بديهيات لا ينتطح فيها عنزان أهمها:

1) إستحالة المساواةِ التامّةِ بين الناس في دخلهم وربحهم وتملكهم، فالتفاضل في الرزق هو سنةٌ اقتصاديةٌ ربانية. ألم يُخبرنا الرزاقُ العليم أنه فضّل بعضنا على بعضٍ في الرزقِ ورفع بعضنا فوق بعضٍ درجات ليبلُوَنا فيما آتانا؟

2) اِذا استولت الدولة على المنشآتِ وأمّمت المشاريعَ والشركاتِ لابتعدت عن مفاصل اختصاصها ولأعادت البشريةَ اِلى سابقِ عبوديّتها.

3) اِذا لم توضع ضوابط وقوانين تُنظِّم قضايا الملكية الفردية لأكلَ القويُ فينا الضعيف, ولتكدّسَ المالُ ولم يعد دُولة يُتداولُ بين الناس.

من هنا فهنالك أنواع تملك محظور وغير مشروع نهانا الإسلام عن مزاولتها نشير اِلى بعض منها:

التملك المحظور وغير المشروع

1) الربا: بخلاف شركة المضاربة (مكونة من شريكين احدهما يأتي برأس المال والاخر يأتي بالعمل، فيكون الربح مشتركا، أما الخسارة فتكون من نصيب صاحب راس المال وحده)، وبخلاف بيع السَّلَم (بيع آجل بعاجل، كأن يكون البائع بحاجة للمال فيبيع سلعته اليوم ويُسلِّمها غدا، وفقا لضوابط فقهية جلية واضحة).

2) السرقة والنصب والاختلاس.

3) استغلال الحكم بكل اجزائه وهيئاته وأشكاله كوسيلة للكسب والتملك، كأن يأخذ موظف رشوة او هدية.

4) الاحتكار لقوله صلى الله عليه وسلم: “من احتكر طعاما على امتي اربعين يوما وتصدق به لم يقبل منه”.

5) التلاعب في الأسعار: كأن تستولي شركة واحدة (מונופול) أو شركتان (דואופול) على سلعة، او تتفق عدة شركات (קרטל) على رفع سعر سلعة معينة، او يدفع شخص لبائع سعرا عاليا ليمنع منافسيه من اقتناء هذه السلعة (وهذا يسمى بالنجَش). فكل هذه الحيلُ مناقضة لمبدأ السوق الحر ونزاهة التنافس.

6) الإجارة المحرمة: كتأجير المرأة جسمها للزنا واجرة الراشي والجاسوس والخائن والقوّاد.

7) الانتفاع بمال اليتيم او الامة او الوقف بأقل من اجر المثل.

8) استئجار لا يقوم به الانسان بواجبه: كأن لا يقوم موظف بواجباته تجاه رب عمله فيهدر ساعات عمله دون فائدة أو يخرج قبل انتهاء عمله بلا عذر.

9) العقود الفاسدة، وكثير ما هي….

10) اخذ الصدقات بغير استحقاق.

لا جديد تحت الشمس

     رغم أن عدد المسلمين اليوم يصل اِلى 1.6 مليار مسلم ويمثلون قرابة 23% من سكان العالم، إلا أن خبراء الاقتصاد والتمويل العام (Public Finance) في الغرب لا يعرفون حقيقة وجوهر التشريع الاقتصادي الإسلامي بحذافيره وتفصيلاته حق المعرفة، فهو غير مطبق اليوم على أرض الواقع ويعتبر حبيس الكتب والمؤلفات والمصنفات. لذا فهنالك حاجة ماسة لنقل الفكر الاقتصادي الإسلامي للغرب بلغة عصرية ومصطلحات مستساغة قريبة من عالمهم. أليست هذه هي الحكمة المرجُوّة في الدعوة الى سبيل ربنا؟

     هنالك اختلاف جوهري وجذري بين نظرة كل من الإسلام والرأسمالية الغربية تجاه المال (הון – wealth)، فبينما يرى الغرب أنّ للمالِ الراكدِ حقاً طبيعياً في النمو والتكاثر بواسطة الفائدة (الربا)، يرى الاِسلام أنّ لا حقَّ لهذا المال الجبان أن ينمو ويتكاثر، فصاحبه الخائفُ الراجفُ الواجفُ حبسه ومنعه من المشاركة في دفع عجلة الاقتصاد قدما الى الأمام، وبذلك سبَّب ضررا فادحا للنمو الاقتصادي، فلو تجرأ ودفع بماله الى السوق فأقام مصنعا أو متجرا أو منتجعا لاحتاج للعمال والموظفين، فساهم في كبح جماح البطالة وارتفاع استهلاك السلع وازدياد واردات الدولة من زكاة وضرائب تتحوّل الى خدمات تعود على أفراد المجتمع، وهكذا دواليك. فالمال المدفون المخزون أساء للدورة المالية، فحري أن “يعاقب” صاحبه الأناني الذي لم يستثمره في مشروع تجاري حقيقي بأن نمنع ماله من حقّ التكاثر لعدم عم الفائدة على أحد من أفراد المجتمع.

     وتحفيزا لذلك المال الراكد ليدفع الى عجلة السوق فرض الله الزكاة على رأس المال (بخلاف الضرائب الوضعية العصرية المفروضة على الدخل، لا على الغنى)، فاذا لم يُستثمر ذاك المال وبقي دفينا حزينا ستأكله أموال الصدقات. ألم يذكر الأمام الشافعي (في الاُم) والبيهقي (في السنن الكبرى) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ابتغوا في مال اليتيم أو أموال اليتامى لا تذهبها ولا تستهلكها الصدقة”؟

     لذا فليس هنالك اِشكال للإسلام مع الملكية الفردية، لكن حذارِ من التعميم بالقول أن الإسلام هو رأسمالي لمجرد لأنه لا يتناقص مع بعض المفاهيم الرأسمالية كالملكية الفردية والنهي عن التسعير ومحاربة استيلاء الحيتان على الأسعار وغيرها. فهنالك رأسمالية وهنالك إسلام، كما أن هنالك ديمقراطية وهنالك إسلام (مع أن السيدة عائشة كانت زعيمة المعارضة)، وكل المحاولات لتطوير الاسلام لاحتواء الرأسمالية او الاشتراكية او الديمقراطية هي محاولات فاشلة، فالإسلام هو الاسلام، شاء من شاء وأبى من أبى.

يمحق الله الربا ويربي الصدقات

نختم بنبذة معطيات تمحص وتشخص هدر الميزانيات لسداد فوائد ربوية خيالية تقضي على الأخضر واليابس:

1. تبلغ قيمة الدَين القومي للولايات المتحدة اليوم الى 18 تريليون دولار (18,000,000,000,000)!

2. في كل ساعة يزداد هذا الدَين بقيمة 100 مليون دولار!

3. لو أردنا أن نعد هذا الدَين عدا، بحيث نعد كل ثانية دولارا واحدا فقط، لأنهينا العد بعد 31,000 سنة (مع الافتراض أننا لا نأكل ولا ننام أثناء عملية العد)!

4. في عام 2016, ستدفع الولايات المتحدة 40% من إجمالي إيراداتها لسداد الفائدة على ديونها!

5. ستدفع إسرائيل عام 2015 مبلغ 40 مليار شيكل (قيمة الميزانية 332 مليار) كفائدة (ربا) على ديونها!

هذا والله تعالى أعلم

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع