اليوم الجمعة 24 نوفمبر 2017 - 3:16 مساءً
أخر تحديث : الأحد 17 نوفمبر 2013 - 9:09 صباحًا

رسالة للباحثين عن السعادة – الشيخ امجد قعدان

تلك الكلمة التي حيّرت العالم، ماهي السعادة؟ وأين نجدها؟ وهل السعادة تتعلّق بالجسد ؟ بالعقل ، بالقلب أم بالروح ؟ أم بكلّ هذه العناصر مجتمعة؟ أم بأمر آخر ؟
كثيرٌ من المسلمين عامّة والشباب خاصّة، يعتقدون أنّ السعادة تكون بالفوز بالمال أو الجاه أو المخدّرات أو النساء، أو كلّهن معًا. وسنثبت بالحقائق أنّ هذه المعتقدات خاطئة،فنجد في الدول الاسكندنافيّة – وعلى رأسها السويد- أكثر أهل الأرض تنعّماً ورفاهية أنّ سكّانها سجّلوا أكبر نسب الانتحار في العالم،وهذا لا يمتاز به سكّان هذه الدول وحدهم دون غيرهم، فهناك العديد من المشاهير يتمنى كثيرٌ من الناس أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، ومع ذلك انتحروا.
وهنا يُسأل السؤال: لماذا لم تستطع الشهوات من الثروات، الأموال ،النساء والمخدّرات من أن تحقّق لهم أبسط معاني السعادة الإنسانيّة، وأقلّ درجات الرضا والطمأنينة، فقرّروا الانتحار؟! في المقابل يستحيل أن تجد مسلمًا ملتزمًا فاهمًا لدينه قد انتحر. قد تقول لي: لكن هنالك من المسلمين من ينتحرون!! أقول: هناك فرق كبير بين مسلم فهم الإسلام، ومسلم ربّما لا يحمل من الإسلام إلا اسمه، ولهذا عندما فهم المسلمون الدّين قالوا : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة لجالدونا عليها بالسيوف .
فنقول لكلّ من يبحث عن السعادة الحقيقيّة، أنّه لن يحصل عليها إلا من عند الله عزّ وجلّ، وأنّه لن يجدها ولن تكون إلا في شيء واحد وهو: طاعة الله عزّ وجلّ، يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: “فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123)وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا(125) (طه)، قد يُؤتى بأحد أصحاب الملايين في الدنيا يوم القيامة وقد حشر أعمى، فيسأل الله عزّ وجلّ (ربّي لماحشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟) أي في الدنيا، فيأتيه جواب ربّه كالصاعقة قَالَ “كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى(126) وَكَذَلِك َنَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِأَشَدُّ وَأَبْقَى(127) (طه) .
من الناس من يصل به الغمّ والهمّ والضيق مبلغًا عظيمًا، وهؤلاء هم أصحاب الملايين وأصحاب العقارات والسيّارات، لكن لماذا هذاالضيق ؟؟ إنّه ضيق الصدر، يقول تعالى في كتابه الكريم “فَمَنْ يُرِدِاللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْأَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًاحَرَجًاكَأَنَّمَايَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (125) (الأنعام ) . وهنا تشبيه بليغ، قال أهل الإعجاز: إذا صعد الرجل إلى الفضاء وبدأ الأوكسجين يتناقص في جسده، شعر بضيقٍ في الصدر حتى إذا انقضى تمامًا مات.
وإليك بعض النصائح التي تساعدك أن يرزقك الله السعادة:
1- عليك بالايمان فهو يُذهِب الهموم ويزيل الغموم ، وهو قرّة عين الموحّدين وسلوة العابدين، فالسعادة شجرة ماؤها وغذاؤها وهواؤها وضياؤها، الايمان بالله والدار الآخرة.
2- لا تنتظر شكرًا من أحد، ويكفي ثواب الصمد، وما عليك ممّن جحد وحسد.
3- لا تتوقّع سعادة أكبر مما أنت فيه، فتخسر ما بين يديك، ولا تنتظر مصائب قادمة فتستعجل الهمّ والحزن.
4- إذا لم تعص ربّك ولم تظلم أحدًا، فنم قرير العين، وهنيئًا لك فقد علا حظّك وطاب سعيك.
5- احذر المتشائم ، فإنّك تريه الزهرة فيريك شوكها، وتمدح له الشمس فيشكو حراراتها.
وتذكّر أنّ الدعاء مفتاح كل خير، والسعادة خير دنيويّ وأخرويّ، والسعادة بيد الله ، فليكن طلب الإنسان السعادة وطمأنينة قلبه وراحة باله وراحة قلبه من الله وحده …
وفي الحديث الصحيح قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم : ” ما أصاب عبدٌ همّ ولا حزن فقال : اللهم إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ، ماضٍ في حكمك ، عدل في قضائك ، أسألك بكلّ اسم هو لك ،سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همّي ، إلا أذهب الله همّه وأبدله فرجًا ، وفي رواية أبدله فرحًا ” .
ولكي تسعد باجتناب المعاصي، قال ابن مسعود في صحيح البخاري :” إنّ المؤمن يرى ذنبه كالجبل العظيم يخشى أن يقع عليه، وإن المنافق – أو قال الفاجر- يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به كذا “.
إنّ الأخطر في هذه الحياة أن تبحث عمّا تريد في المكان الخطأ أو بالطريقة الخطأ ، لأنّ النتيجة حتمًا ستوصلك إلى نتيجة خاطئة ، وأنت تظنّها الحقّ، وهذا أخطر شيء في الدنيا. ومن أخطر الآيات في كتاب الله، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (الكهف). وتذكّر دائمًا أنّ الخيرة فيما اختاره الله.
ختامًا نسأل: من هو السعيد؟ فنقول كما قال أحد مشائخنا :
السعيد الذي امتلأ قلبه بالله.
السعيد الذي اطمئن قلبه بذكر الله.
السعيد الذي إذا أمسى و أصبح ليس في قلبه غير الله.
السعيد الذي مهما أصابته المصائب رضي بقدر الله.
السعيد الذي فهم أن الخيرة فيما اختاره الله.
السعيد الذي وظَّف وقته وصحّته في طاعة الله.
السعيد الذي فهم وطبّق قول الرسول:” خير الناس أنفعهم للناس” .
السعيد الذي إذا وقف على آخر أعتاب هذه الدنيا، وقف بقلبٍ ثابت ولسانٍ ذاكر، وقد رضي الله عنه .
السعيد الذي إذا ذهبت ساعته وحانت قيامته، تنزّلت عليه ملائكة ربّه تبشّره بالروح والريحان *والرحمة والغفران* وأنّ الله راضٍ عنه غير غضبان.
السعيد الذي ختم له بخاتمة السعداء، فكان آخر ما نطق به من الدنيا:” لا إله إلا الله ” .
السعيد هو الذي قيل له : “(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي) .
السعيد الذي أسعده الله في قبره، حتّى إذا أُدخلَ بذلك القبر ثبّته الله، وقال: ربّي الله، ونبيّي محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وديني الإسلام.
السعيد الذي إذا دنت الشمس من الخلائق وذلّ كلّ عزيز وأُخرس كل ناطق، واشتدّ لهيبها وعَظُم حرّها، ما كان من الناس من عرق، وإذا بحثت عنه تجده في ظلّ عرش الرحمن.
السعيد الذي يأخذ كتابه بيمينه، لأنّه يقف كريمًا أمام الله يوم يُخزى الكثير الكثير.
السعيد الذي يشرب شربًة هنيئًة من يديّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
السعيد الذي يكون مع الرسول في الفردوس الأعلى.
السعيد الذي إذا أراد الله أن يسعد العبد ، رزقه الله سلامة الإيمان واستقامة الجنان، وفوّض الأمور كلّها للواحد الرحمن واعتقد بقلبه أنّه لا منجا ولا ملجأ ولا مفرّ من الله إلاّ إليه.
السعيد الذي لا تتبدّل أحواله ولا تتغيّر هدايته، قد جعل الجنّة والنار نصب عينيه، يعمل للجنّة ويفرّ من النار.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع