اليوم الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 3:17 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 18 نوفمبر 2013 - 8:27 صباحًا

إنما يسبق من الخيل المضمرة!! – رفاد غانم (أبو سلمان)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
كان أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – يصوم حتى يعود كالخلال – وهو العود الذي تخلل به الأسنان -، فقيل له: “لو أجممت نفسك”؟! – أي: أرحتها -، فقال: “هيهات، هيهات، إنما يسبق من الخيل المضمرة”. فالخيل السابقة هي الخيل ذات البطون الضامرة، أما التي ترهلت بطونها وانتفخت، فما عاد لها في ميدان السبق مكان.
أدرك سلفنا الصالح – رضي الله عنهم – أن السابق غداً، يوم ينصب الصراط، هو الذي خفت في الدنيا مؤونته، وانقطعت به علائقه، وزادت في دروب الآخرة همته، وتعب في ميدان العبادة جسمه، فأسهر ليله، وصام نهاره.. ينتقل في ميدانها من طاعة إلى أخرى، ومن مرتبة إلى أعلى، لا ينقضي في دروب الخيرات نهم، ولا تسد فيه حاجته.. ويبقى السائر إلى الله، ينتقل بين الخيرات، ويكثر من الطاعات، ويتعب في ذلك نفسه، فإذا قيل له: لو أرحت نفسك؟! أجاب الربيع بن خيثم – رحمه الله – عن جموع السائرين بقوله: “راحتها أريد”.
أدرك حقيقة المطلوب، وعظمة الثمن، فلم يبخس الأشياء حقها، فسلعة الله غالية، لا تطلب بالراحة، ولا بالغفلة، ولا بتضييع الأوقات، ولا بالانشغال بالسفاسف من الأمور، يبذل ويبذل ثم يرى بعد ذلك تقصيره واضحاً جلياً، فيرغب بالمزيد، ويصر عليه… “والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم”..
إن الإنسان يعيش في هذه الدنيا، ويطلب فيها الراحة التامة والسعادة الكاملة؛ ولكن هيهات هيهات، فهو ينسى أن هذه الحياة الدنيا ليست بدار خلود وبقاء وإنما هي دار رحيل وفناء..قال تعالى: “وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا”، وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِر”. قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! صِفْ لَنَا الدُّنْيَا. قَالَ: وَمَا أَصِفُ لَكَ مِنْ دَارٍ مَنْ صَحَّ فِيهَا أَمِنْ، وَمَنْ سَقَمَ فِيهَا نَدِمَ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، حَلَالُهَا حِسَابٌ، وَحَرَامُهَا عَذَابٌ! قال الفاروق رضي الله عنه: “طلب الراحة للرجال غفلة”، وقيل لابن الجوزي: هل يسوغ لي أن ألهو وأرفه عن نفسي بشيءٍ من المباحات؟ قال: عند نفسك من الواجبات ما يشغلها.
قال سيد قطب رحمه الله: فإذا كانت الدنيا كذلك فليعلم العاقل أنها دار كبد وتعب وأن الكبد طبيعة الحياة الدنيا، تختلف أشكاله وأسبابه. ولكنه هو الكبد في النهاية، فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمرّ في الأخرى، وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله.
والله تعالى إذا أحب عبداً حماه من الدنيا، وصرف وجهه تلقاء الآخرة.. عنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا، كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ”. قال إبراهيم بن بشار: خرجت أنا وإبراهيم بن أدهم، وأبو يوسف الغسولي، وأبو عبد الله السنجاري نريد الإسكندرية، فمررنا بنهر يقال له نهر الأردن، فقعدنا نستريح، وكان مع أبي يوسف كسيرات يابسات، فألقاها بين أيدينا فأكلناها وحمدنا الله تعالى، فقمت أسعى أتناول ماء لإبراهيم، فبادر إبراهيم فدخل النهر حتى بلغ الماء إلى ركبته، فقال بكفيه في الماء فملأها، ثم قال: (بسم الله) وشرب الماء، ثم قال: (الحمد لله)، ثم ملأ كفيه من الماء وقال: (بسم الله) وشرب، ثم قال: (الحمد لله)، ثم إنه خرج من النهر فمد رجليه، ثم قال: يا أبا يوسف، لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلة التعب، فقلت: يا أبا إسحاق، طلب القوم الراحة والنعيم، فأخطأوا الطريق المستقيم. فتبسم، ثم قال: من أين لك هذا الكلام؟!
فتأمل أخي في الله كيف وجد هؤلاء الصالحون راحتهم وسعادتهم في قربهم من ربهم مع أنهم ملكوا شيئا يسيرا من أمر الدنيا الفانية.. وكذلك حال المؤمن إذا بحث عن الراحة التامة والسعادة الكاملة في الدنيا فلن يجدها لأنه لن يجد راحته التامة وسعادته الكاملة إلا في ظل الله تباركت أسماؤه.. كم نستشرف السعادة في أموالنا وأولادنا وأقاربنا ووظائفنا ومتاع الدنيا بأسره، وقد يبيع الواحد منا دينه من أجل ذلك.. ما أظلم القلوب وما أضل العقول التي ضلت وتاهت عن ربها وخالقها وبارئها، مبدأ السعادة ومنتهاها…
إن المؤمن في سفره الطويل وعقبته الكؤود لا بد له من الحرص على خفة الحمل وجودة البضاعة حتى لا يثقل به السفر وينهكه التعب… كن خفيف حمل الدنيا ثقيل حمل الآخرة لتنعم براحة مستديمة من أول لحظة تفارق بها هذه الدنيا.. سيشعر المؤمن بهذه الراحة التي لم يذقها في يوم من الأيام، ولم يحدثه عنها أحد يوما من الأيام.. سيشعر بها عند الموت! وعندما يرى مقعده من الجنة! وعندما يأخذ كتابه بيمينه! وعندما يمر على الصراط سريعا! وعندما يدخل الجنة ويرى وجه ربه الكريم… حينها تكون الراحة الكبرى… والسعادة الأبدية…
فلا شيء أخي في الله كائنا ما كان يستحق أن تضحي به أو من أجله بتلك الراحة والسعادة الأبدية، إنك إذا لمغبون ومحروم… أعاذنا الله وإياك، وجعل الفردوس مثوانا ومثواك.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

قصة وعبرة:
روي أن ابنة عمر بن عبد العزيز دخلت عليه تبكي و كانت طفلة صغيرة آنذاك، وكان يوم عيد للمسلمين فـسألها ماذا يبكيك؟
قالت: كل الأطفال يرتدون ثياباً جديدة و أنا ابنة أمير المؤمنين أرتدي ثوباً قديماً.
فتأثر عمر لبكائها و ذهب إلى خازن بيت المال قال له: أتأذن لي أن أصرف راتبي عن الشهرالقادم؟
فقال له الخازن: ولم يا أمير المؤمنينْ؟ فحكى له عمر، فقال الخازن: لا مانع ولكن بشرط فقال عمر وما هو هذا الشرط ؟
فقال الخازن: أن تضمن لي أن تبقى حياً حتى الشهر القادم لتعمل بالأجرالذي تريد صرفه مسبقا.
فتركة عمر و عاد فسأله أبنائه: ماذا فعلت يا أبانا؟
قال: أتصبرون و ندخل جميعاً الجنه أم لا تصبرون ويدخل أباكم النار؟
قالوا:نصبر يا أبانا…
يا ليت مثل الثلاثة كان في مجتمعنا: الخازن وعمر وأبناء عمر
كن مثلهم في موقعك .. ضحّ بالفاني من أجل الباقي.
مَا لَم يُكتَب لَك بالحَلالَ… فَلا تَسعَ وَراءَهُ بالحَرام.. اللهم إكفنا بحلالك عن حرامك…

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com