اليوم الخميس 19 يوليو 2018 - 8:17 مساءً
أخر تحديث : الأحد 17 نوفمبر 2013 - 10:25 صباحًا

وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ – امير بهاء الدين

البشرية قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم

كيف كانت الدنيا قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قد يقول قائل: كانَ فيها الحضارات في الهند واليونان وروما وفارس.

ولو علمَ ما كانت عليه هذه الحضارات من الجهل والوثنية والظلم وتشوّه الفطرة وانحراف الأخلاق والغرق في الشهوات والسقوط في الرذائل ما قال ما قال. ولعلّكَ لو نظرتَ إلى ما كانَ يحصل في هذه الحضارات من أمور يندى لها الجبين ويكاد لا يصدّقها العقل ثمّ قارنتها بواقع الشرق والغرب في زماننا وجدتَ بينها وبينه تشابهًا مفزِعا.

 

روى الإمام مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقَتَهُم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب).

ويقول الإمام النووي في شرحه: “المقت: أشد البغض. والمراد بهذا المقت والنظر ما قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمراد ببقايا أهل الكتاب الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل”[١]

 

أما اليونان، ورغم ما وصلت إليه في مجالات الفلسفة والفكر، إلاّ أنهم انغمسوا في الشهوات، وجروا وراد اللذات، فحلّلوا العلاقات الجنسية من القيود، وتجاوزوا عن قتل الأطفال، ونمت فيهم النزعة الأنانية الفردية. ولقد صوّر المسرحي اليوناني (منندر) في مسرحياته الحياة الأثينية بأنها حياة تدور حول السفاسف والغواية والزنى!

 

وأما الهند، ورغم ما وصلت إليه حضارتهم من ازدهار في العلوم والحساب، فقد ظهر عندهم نظام طبقيّ من أبشع الأنظمة الطبقية في التاريخ: فكانت أعلى الطبقات طبقة البراهمة، والتي أعطوها امتيازات ألحقتهم بالآلهة، فقالوا إنهم صفوة الله وملوك الخلق، وإن ما في العالم ملك لهم. وأما أدناها فهي طبقة المنبوذين (الشودرا) – وكانت وفق القانون الهندي أحطّ من البهائم وأذل من الكلاب، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدع ورجل من الطبقة المنبوذة سواء.

وكانت منزلة المرأة عندهم كالإماء، وكان قد يخسر الرجل زوجته في القمار.

 

وأما فارس، ورغم نبوغهم العسكري، فقد كانوا يمجدون الشمس والقمر والنجوم، ثمّ جاء (زرادشت) كمصلح اجتماعي، وقال إن نور الله يسطع في كل ما يشرق ويلتهب في الكون، وأمر بالاتجاه إلى الشمس وإلى النار ساعة الصلاة. ثمّ تدرّج الناس إلى عبادة النار ذاتها.

وكان من ملوكهم من تزوج ابنته ثم قتلها، ومنهم من تزوج أخته، ولم يروا في زواج المحارم هذا معصية، بل ظنوا أنهم يتقربون به إلى الله!

ثمّ جاء (مزدك) بعد ذلك وأعلن أن الناس ولدوا سواء لا فرق بينهم، وقرر أن أهم ما يُشترك فيه الأموال والنساء، فأحلَّ النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها!

وكان الأكاسرة في فارس يدّعون أنّ دمًا إلهيا يجري في عروقهم، وصدّقهم الفرس فأنزلوهم منزلة الآلهة وقدّموا لهم القرابين.

 

وأما الرومان، ورغم ابداعهم في الإدارة والمدنية، فقد حاربوا العلوم والعلماء -مدّعين أن الكتاب المقدس يحوي بين دفتيه كل ما يحتاجه الإنسان في الدنيا والآخرة-، وقالوا إن رجال الكنيسة ممثّلون لله في الأرض، فلهم تعذيب من يقاومهم وإثابة من يطيعهم كما يفعل الله بالنسبة للناس تماما!

أما المرأة في هذا المجتمع فقد اعتبروها كائنا لا نَفْسَ له، وأنها لهذا لن ترث الحياة الأخروية، وأنها رجس، ويجب ألا تأكل اللحم وألا تضحك، ومنعوها من الكلام، حتى وضعوا على فمها قفلا من الحديد!

يقول المؤرخ الإنجليزي (جيبون): “وفي أواخر القرن السادس وصلت الدولة في تردّيها وهبوطها إلى آخر نقطة”.

 

وأما العرب، فرغم ما اشتهروا به من الفصاحة والبيان والفروسية والشجاعة والوفاء والأمانة، فقد كانوا على وثنية سخيفة، يعبدون الأصنام والملائكة والجن والكواكب، يتعاملون بالرّبا ويئدون البنات، وفشى فيهم الزّنى.

وأما وضع المرأة، فيكفيك أن تسمع ما روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (واللهِ إنّا كنّا في الجاهلية ما نَعُدُّ للنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهنّ ما أنزل). [٢]

 

هذا كان وضع البشرية قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلّم. انحطاط في كلّ فروع الأخلاق، وجهل في كلّ أمور العقيدة، وفساد في كل أطراف الأرض.

 

ولادة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم

ثمّ شاء اللهُ الرحمن الرحيم أن يبعث في البشرية رسولا يخرجها من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الفساد إلى الصلاح ومن عبادة الهوى إلى عبادة الله، ومن عبادة الأوثان والأجرامِ والأشخاص إلى عبادة الله الواحد الأحد.

 

فجاءت البشرى:

وُلِدَ الهُدى فالكائناتُ ضياءُ … وفَمُ الزمانِ تبسُّمٌ وثَناءُ [٣]

 

وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب بني هاشم بمكةفي صبيحة يوم الاثنين التاسع من ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، وكان ذلك في عام ٥٧١ م.

ولما ولدته أمه أرسلته إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرا ودخل به الكعبة ودعا الله وشكر له. واختار له اسم محمد-وهذا الاسم لم يكن معروفا في العرب- وختنه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون.

 

وأوّل من أرضعته من المراضع بعد أمّه صلى الله عليه وسلم بأسبوع: ثويبةمولاة أبي لهب، وكانت قد أرضعت قبله عمّه حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.

 

وكانت العادة عن الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعادا لهم عن أمراض الحواضر، ولتقوى أجسامهم وتشتد أعصابهم ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم. فالتمس عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، وهيحليمة بن أبي ذؤيب بن الحارث، وزوجها الحارث بن عبد العزى المكنّى بأبي كبشة.

وإخوته صلى الله عليه وسلم هناك من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث (وهي الشيماء. وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ورأت حليمة من بركتهصلى الله عليه وسلم ما قضت منه العجب. تقول حليمة: “فخرجت على أتان لي قمرآء [أي بيضاء]، ومعنا شارف [أي ناقة مسنّة] لنا، والله ما تبضّ بقطرة [أي ليست تعطي اللبن]، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنّا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أذمّت [أي أبطأت] بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء…”

ثمّ في طريق عودتها بعد أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل [أي ممتلئة لبنا]، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة … ثمّ رجعنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم”

وحديث حليمة عن بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل [انظر المصدر].

 

وفي السنة الرابعة من مولده وقع حادث شقّ صدره، روى مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طَست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه -أي جمعَهُ وضمّ بعضه إلى بعض- ثمّ أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره [أي مرضعته]- فقالوا: إن محمدا قد قُتِل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون -أي متغير اللون- قال أنس: وكنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.

وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتّى ردته إلى أمّه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ستّ سنين.

 

(يتبع…)

 

 

 

[١] شرح النووي على مسلم

[٢] ماذا قدم المسلمون للعالم. د. راغب السرجاني.  بتصرف

[٣] أحمد شوقي

[٤] الرحيق المختوم. المباركفوري. بتصرف

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع