اليوم الإثنين 10 ديسمبر 2018 - 4:17 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 22 نوفمبر 2013 - 8:14 صباحًا

ذبح الأبقار المقدسة – ح 01 – خالد عقاد

الرابطة المصلحية
المسلمون لم يتخلفوا عن ركب العالم نتيجة لتمسكهم بدينهم وإنما بدأ تخلفهم يوم تركوا هذا التمسك وتساهلوا فيه وسمحوا للحضارة الغربية أن تحتل أذهانهم وتستحوذ على أفكارهم، ولعل من أبرز إفرازات هذه الحضارة شيوع الرابطة المصلحية بين أبناءها ، تلك الرابطة الفاسدة المنحطة التي تصور الحياة على أنها منفعة فقط وتجعل الصلة بين أفراد المجتمع قائمة على النفعية البحتة وعلى قدر ما تحقق لهم من متع الدنيا الزائفة الزائلة، وفي هذا مخالفه بل مصادمه لما جاء به الانبياء والرسل .
وما أعْظَم جهل الإنسان حين يغرق في المنفعة المادية ويذهل عن الغايات الحقيقية من خلقه، ويشتغل بالقشور ويضلُّ عن اللباب.
ان هذا العصر يُدعى عصرَ التقدم، ويُسمّى عصرَ السرعة، ويُلقَّب بعصر المدنية، ولكن هل يُسمّى عصر الفضيلة، أو يدعى عصرَ الطمأنينة، أو يُنعَت بعصر السعادة؟!
ان علومُ هذا العصر ومادياته قدّمت للإنسان أدواتٍ كثيرةً، ولكنها لم تُعطه قِيما كبيرة، ولم تمنحه أهدافاً سامية ليحيا من أجلها، ويموت في سبيلها. الأهداف السامية والقيم المحترمة والغايات العليا ليست من وظيفة علوم المادة، ولكنها من وظيفة الدين وعلوم الدين التي بعث بها الانبياء والرسل .
بل ان مدنيةُ اليوم تقوم على تعظيم المادة وحب الدنيا والاستكثار من اللذائذ وتوجيه كلِّ مخترَع ومكتشَف إلى التسابق فيها، والتنافس عليها، وجمع حُطامها، يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ [الروم:7].
إن الصلة بالله والإيمان بالغيب ورجاءَ اليوم الآخر لا تكادُ تُذكر في روابطهم أو يظهر لها حسابٌ في تدبير أمورهم. الحياة عندهم إحساسٌ عارض يمكث في كتلة اللحم والعظم بضعَ سنين ثم يتلاشى إلى الأبد، ولقد قال أسلافٌهم الضالون: مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [الجاثية:24].
رابطة مصلحية جافة، تُعلي شأن المادة، وتنشد اللذة، وتجعل البشر ينطلقوا على وجه هذه البسيطة، لا يلوون على شيء، وغرائزهم أشرسَ من أن تنقاد لداعي الحق، إِنَّ هَـٰؤُلاَء يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً [الإنسان:27].
إن العالم في كثير من جنباته يئنّ من الرابطة المصلحية التي اججت به نوازع الأثرة والجشع والتظالم.
لذلك فأن هذا الرابطة المنحطة ما نتج عنها الا الشقاء والقلق الدائمين، فما دامت المصلحة والمنفعة هي الأساس وهي مقياس الأعمال فالتنازع عليها طبيعي والنضال في سبيلها طبيعي، بل وصار الاعتماد على القوة في إقامة الصلات بين البشر طبيعي، فتزعزع المجتمع وانتفت الأخلاق الكريمة والقيم الروحية ، فقامت الحياة على أساس التنافس والنضال والعداء على المصلحة وعلى قدر ما تجلب من مال ومتع، وهبط البشر من رابطة الدين والعقيدة الراقية إلى دركات الرابطة المصلحية النتنة ففسد المجتمع وظهرت الشحناء والبغضاء.
ثم أن الرابطة المصلحية رابطة مؤقتة ولا تصلح لأن تربط بني الإنسان ، لأنها عرضةً للمساومة على مصالح اكبر منها ، فتفقد وجودها في حالة ترجيح المصلحة . ولأنها إذا تباينت المصلحة تنتهي ، وتفصل الناس عن بعضهم ولأنها تنتهي حين تتم هذه المصالح ولذلك كانت رابطة خطرة على أهلها .
والمسلمون حينما طبقوا الإسلام قولاً وفعلاً ونظاماً وكانوا يُسيِّرون حياتهم وفق القوانين الربانية؛ ازدهر المجتمع وانتشرت العدالة والقيم الروحية الراقية فيه، ذلك لأنه صوَّر الحياة على أنها أوامر الله عز وجل ونواهيه، والسعادة فيها هي نيل رضوان الله سبحانه وتعالى وذلك كفيل بضمان الرفاهية ليس للمسلمين فحسب بل للإنسانية جمعاء.
ثم أن عدم الركون الى الحياة الدنيا ومصالحها المادية الفانية والإيمان بالغيب رحمةٌ من الله ونعمةٌ يهبها بفضله لمن أخلص القلب، وتحرّى الحق، ورغب في الهدى، إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ [فاطر:18]، إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِكْرَ وَخشِىَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس:11].
إنها نعمة من الله تفيض على القلب، يمنحها الله لهذا الإنسان الضعيف الفاني محدود الأجل واسعِ الأمل. من حُرم ذلك فالحياة عنده ناقصة، والروح فيه مظلمة.
الإيمان بالغيب يؤثر في الحياة تأثيراً عظيماً، ويورث في القلوب توجهاً وإقبالاً، ينقاد فيها إلى الاتباع، وتنقلب فيه الحياة من ظلام واضطراب إلى نور واستقامة، تتفتح فيها الآفاق مع رحابة في الصدور، وطمأنينة في النفوس، وجلاء في الحق، ورضا يملأ الجوانح، إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12].
بالإيمان بالغيب تسلم القلوب من أمراضها، تُوقى الشحّ والشحناء، والكذبَ والبهتان، والمكرَ والخيانة، تصان النفوس بإذن الله من الظن والاضطهاد، والقسوة والفوضى.
إن التمايز بين الناس ليس بإدراك المشاهدات بالحسّ، فهذا يستوي فيه المؤمن والكافر، كما يستوي فيه الحصيف والبليد، ولكن الشأن كل الشأن في الإيمان بالغيب ، إذا قامت عليه الدلائل الصادقة من خبر الله وخبر رسوله وطرق العلم اليقيني الجازم، فذلكم هو الإيمان الذي يميّز المؤمن عن الكافر، لأنه تصديق لله مجرّد، وتسليمٌ لرسوله تام، مع إذعان ويقين ورضا بعد علمٍ واستدلال.
والإيمان بالغيب يُنشئ بإذن الله القوة الدافعة، ويربي الإرادة العازمة، ويحمي من السقوط، ويقوِّي جانب الاحتساب، ويشعر بالمسؤولية، ويقرِّر العدل المطلق، ويؤكّد قطعية النتائج والثواب والعقاب، ويربّي الرقيب الوازع في داخل الإنسان ، ويحمي بإذن الله من الآفات النفسية واليأس، ويوقظ القلوب، ويهوِّن المصائب، ويغري بالتضحية في سبيل الحق.
إن الذي يؤمن بالله ويؤمن بالغيب والدار الآخرة لا يخاطر بدنياه الفانية ليربح آخرته الباقية، كلا، إنه بإيمانه يربح الحياتين، ويفوز بسعادة الدارين، ويكسب الحسنيين، مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ [النساء:134]، لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ [النحل:30]، وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:105].
فسبيل نهضتنا الوحيد اليوم هو تخليص مجتمعنا من كل ما لحق به من المجتمعات الغربية والشرقية الفاسدة، وإقامتها على أساس الإسلام ومظاهره الراقية فقط، ومن الثابت عن أكثر أهل العلم أنه: «أينما يكون الشرع فثم المصلحة» ذلك أنَّ الشرع وحده هو الذي يصلح لكل زمان ومكان وهو الذي يحدد المصلحة والمفسدة، فَمَن خلقنا قد جعلَ لنا نظامَ حياةٍ نسير عليه، وهو أعلم بمصلحتنا وبما يصلحنا أكثر من أنفسنا، فينبغي أن تدور مصالحنا وعلاقاتنا ومجتمعاتنا حيثما دار الشرع، وعلينا أن ندع المصالح الدنيوية، وأن نكون إخوة متحابين متناصحين متواصين بالحق القويم، قال سبحانه وتعالى: ” والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ”
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ،

اخوكم
خالد عقاد

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1

    بارك الله فيك. وزادك الله علما

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com