اليوم الخميس 20 يوليو 2017 - 11:42 مساءً
أخر تحديث : الإثنين 25 نوفمبر 2013 - 8:43 صباحًا

الكشاجميّة المقيتة! رفاد غانم (أبو سلمان)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
الشيء المشترك في الناس غالباً هو ظنهم الحسن المفرط في أنفسهم ومواهبهم، حتى أدخل البعض نفسه في متاهة قادته للهاوية. هذه النّفس التي وصفها المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم قائلا: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}.. تجد ابنَ آدم اليوم يزكّيها ويبرّئها! بل يثني عليها ويمدحها! وكأنّ نفسه لم تدخل في الخطاب. فإذا أوقعه الشّيطان في ذلك أورده المهالك.. لأنّ حسن الظنّ بالنّفس يجعلك تغفل عن عيوبها، فترى المساوئ محاسن، وترى السّيئات قربات! وترى العيوب كمالا، والذّنوب جمالا! قال بعض الصّالحين:” متى رضيت عن نفسك فاعلم أنّ الله غير راض عنها”. وما أحسن تفسير الفضيل بن عياض لقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم}، قال رحمه الله: “لا تغفلوا عنها فمن غفل عن نفسه فقد قتلها”…
كشاجم هو أبو الفتح بن محمود بن شاهيك من شعراء القرن الرابع المعدودين في شعراء بلاط سيف الدولة؛ و”كشاجم” لقب له منحوت من أوائل حروف مواهبه لأنه كان كاتباً شاعرًا أديبًا جميلاً مغنيًا؛ وقد أضاف لها في آخر عمره حرف الطاء تعبيراً عن طبخه أوطبه – على خلاف في الرواية – لكنها لم تشتهر عنه.
عقدة الكشاجمية التي أقصدها تبرز عند كثير من الناس، أخص بالذكر الساسة والمسؤولين وذوي النفوذ في المجتمع.. بل تعدى الأمر لتصل إلى عامة الناس! ترى هذه العقدة عندما يهرف الواحد منهم بما لا يعرف هروبا من فضيلة: “لا أعلم”، وتلحظها عندما يترأس غير الكفء ويتعالى الرويبضة خجلا من فضيلة: “لست بأهل”. إنه يعلم في الدين والطب والسياسة والاجتماع… دون علم أو تخصص، ولئن كان صاحبنا كشاجم قد اكتفى بستة أحرف من أحرف العربية لنحت أوائل مواهبه، فإن كشاجم زماننا قد لا يكتفي بأحرف الهجاء العشرين والثمانية، وقد يضطر للانتقال إلى اللغات الأخرى!
إنك تشعر بعظم المأساة عندما ترى الجهلة يتكلمون والرويبضة يتصدرون حتى يصدق عليهم قول ابن دقيق العيد رحمه الله:
يقولون هذا عندنا غير جائزٍ *** فمن أنتموا ؟حتى يكون لكم عندُ!
وصاروا كما قال الناظم:
صار ينهى عن المعالي سفيه *** لا يساوي ثيابه وهو فيها!
قديما اتُهِمَ الإمام الشافعي من قبل كشاجمي مزيف معاصر بأنه عميل للدولة الأموية ؛علماً أن الشافعي ولد بعد نهاية الدولة الأموية بثمانية عشر عاماً! وكشاجمية أخرى تعزو التخلف في بلاد المسلمين لحجاب النساء مع أن الحجاب في بلادها منزوع مذ مائة عام دون تقدم ملحوظ بل حالهم فقر وتقهقر وقهر، وعلى ذين المثالين قس، وعلى كل كشاجمي مزيف يصدق قول أهل الصين: “لا تقس عمق الماء بقزم”.
إن الكشاجميَّ المعجب بنفسه لا يرى عيوبه وإن كبرت، وينظر إلى مزاياه ومحاسنه من وراء “ميكروسكوب”، فيضخمها ويهول من شأنها. يرى نفسه كأنه في قمة جبل والناس تحته منكسة الرؤوس، خاشعة الوجوه كالعبيد إزاء سيدها، رهن إشارته، تأتمر لأمره، وتنتهي لنهيه، لا رأي إلا رأيه، ولا صواب إلا صوابه. فإذا قيل الدين قال أنا، وإذا قيل العقل قال أنا، وإذا قيل الفكر والرأي قال أنا، وإذا قيل العلم قال أنا، وإذا قيل الأدب والفضيلة قال أنا. ولم يدر هذا المغرور أن ماله وجاهه وغروره ليست بشيء، ولكن الإعجاب يبلغ بالمرء ما يبلغ الدخان المتصاعد في الجو، فإذا انتهى إلى ما انتهى إليه تبدد ذراتٍ في الفضاء وأصبح لا شيء.
يدعي الحق له في كل شيء، فتنفعل نفوس الضعفاء والغوغاء بذلك، فتصبح في الحال من شيعته وأنصاره لتأثير ذلك الوهم عليها، وتلتف حوله فتقبل لإقباله، وتدبر لإدباره من غير ترو منها ولا شعور إذ احتل دماغها بشدة تأثيره كما يحتل الجان دماغ المصروع، فيتكلم عن لسان الجان ويتحرك عن إرادته، ولا يملك من إرادته هو شيئا، وقد حكم أمثال هؤلاء على أنفسهم بالفناء في شخصية مستعبدهم.
وكم يتيه هذا المغرور بنفسه إذا رأى التفاف الغوغاء والبسطاء حوله، وكم يتشامخ ويعطس زهوا وإعجابا، إذ يتخذ تلك المظاهر الخلابة لبلهه وبلادته كحجة قاطعة على صحة رأيه واستقامة نظره، وعند هذا تحدثه نفسه الزاهية بالدخول في المعامع، وتشييد مركز ممتاز فيها ليختلب به عقول الخاصة كما اختلب عقول الغوغاء من العامة، فهناك يصطدم بحصون وأسوار حديدية من عزة الحق وصولته، فيرجع خاسئا وهو حسير يقلب كفيه على ما كان عليه اعتماده ومعوله من مجرد المال وجموع الغوغاء التي تذهب إذا صهرتها نار الحق كما يذهب الزبد جفاء.
إن المغرورين المعجبين بنفوسهم، وإن اختلف سبب إعجابهم من ثروة وعلم وجاه، لكنهم يتفقون في الخيبة والحرمان واصطدامهم في سور الحق الحديدي، ولا مخلص لهم من ذلك إلا معرفة الإنسان نفسه وقياس قدره بشبره “وقد عاش من عرف قدره”. ومن ثم فلا تسأل عن حالهم يوم القيامة… كانوا في الدنيا الأعلى مكانة، والأرفع قدرا، والأكثر احتراما… زورا وبهتانا، ما نظر أحد إلا عرفهم… ثم هم يوم الحساب لا تسمع لهم صوتا، ولا ترى لهم إشارة، بل قد لا تراهم بين الجموع الظاهرة من الناس، وقد تضطر لتبحث عنهم هنا أو هناك… نعم، تحت أرجل الناس يدوسونهم كما يُداس الذر (النمل الصغير)!
لا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه.. ليس قيمة الإنسان بماله أو علمه أو جاهه، ولكن بما يحسنه من فضائل الأعمال، وهذا إنما يكون بالتعليم الصحيح، والتربية الصحيحة، ومجالسة الأخيار، ومجانبة الأشرار، والاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله الكفيلين بالعز والسعادة في الحال والمآل… نسأل الله التوفيق والسداد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.. (أجزاء من المقال منقولة بتصرف يسير)..

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع