اليوم الجمعة 28 يوليو 2017 - 1:35 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 24 مارس 2016 - 10:55 صباحًا

خواطر من الدين والحياة : عندما يعطس صاحب الفخامة والسمو

لم أسمع أو أقرأ في حياتي أو بمعنى أدق ( نفاقا ) مثل ما قرأت عن الحجاج بن يوسف مع الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان.

فقد كتب الحجاج إلى أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان في عطسة عطسها فشمته – أي ردوا عليه – أصحابه ورد عليهم: ( بلغني ما كان من أمير المؤمنين، وتشميت أصحابه له، ورده عليهم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما).

وكتب إليه كتابا آخر يقول فيه: (إن خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسولهم إليه، وكذلك الخلفاء يا أمير المؤمنين أعلى منزلة من المرسلين) كتاب (العقد الفريد: 2\354).

بهذا الفن وصل الحجاج لما وصل إليه من المناصب، وغض السلطان الطرف عن جرائمه التي لا تعد ولا تحصى في حق الرعية، وخيار الأمة من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

إنه المؤهل الوحيد للوصول إلى المنصب الكبير والبقاء فيه حتى يأتيه ملك الموت ليأخذ الروح، وكل أخطائه مغفورة.

الله يكفينا شر الحاكم المسؤول حين يعطس، عندها تقوم الدنيا ولا تقعد، لمجرد أنه عطس، ويمكن أن تتطور الأمور وتكبر وتدب الفوضى في محيطه وفي كافة أرجاء الدولة ، ومن المحتمل ان يمتد صداها ليعم كافة أركان المعمورة، وتقاس رجاتها على حسب مقياس (سلم ريختر) للهزات الأرضية.

أصبح الكل من حوله يتراكضون ليقدموا الشكر والتقدير للمسؤول على عطسته، وإعلان الولاء له ولذريته المصونة! وتتوارد باقات التهنئة من كافة أركان المعمورة من رؤساء وملوك! هذا على المستوى الدولي، أما عن المستوى القطري للوطن، والبلد التي دوت فيه تلك العطسة (المكان) ، حيث شكلت صدى كبيرا في نفوس من سمعها على مسافة كيلومترات؟!

تجد الجميع يتحركون وبسرعة في رحلة البحث عن ( باكيتات المحارم ) ، والناس تهرول في انحاء المكان وكأنهم على صعيد المسعى ما بين ( الصفا والمروة ) كل منهم ليحظى أحدهم بأن يكون هو أول من يقدم لعطوفته وسموه ورقة المحارم ليمسح بها رذاذ عطسته المباركة، وهو يشرح له مدى فرحه وسعادته التي لا توصف بهذه العطسة التي رافقتها شذرات تطايرت هنا أو هناك.. ويقول له برفق وحنو: (اسم الله عليك يا صاحب السعادة).

بحيث تقوم جوقة المطبلين والمنافقين.. طالبين من فخامته.. حبذا لو تكرم سعادته وسموه، وانعم عليهم أن تكون مثل هذه العطسات يوميا.. أو على الأقل مرة في الأسبوع، الشهر، السنة.

أعزائي القراء: 
الأمر لا ولم يتوقف عند هذا الحد، بل قد يصل إلى درجة، قياس مدى سرعتها وقوتها التي فاقت سرعة الصوت والضوء، وما تركته في نفوس من سمعها وشاهدها، ثم ليخرج المتحدث الرسمي بعد ذلك.. ليعلن ذلك الخبر السار للصحافة المحلية والعالمية ، ومقدار تأثيرها على من وصلت إليه عن طريق تناقل هذا الخبر العاجل “عطسة المسؤول الكبير”، وكيف كان وقعها على نفوس من سمعوا عنها، ومن لم يحالفهم الحظ في مشاهدتها وملامسة مخرجاتها، والتمتع بمتابعة أصدائها.

ستشكل “عطسة المسؤول الكبير” حديث الساعة بالنسبة للمواطنين في المقاهي والأماكن العامة، إلى درجة وصفها بدقة ومخرجاتها، وكيف أن فخامته وسموه قام بأغلاق عينيه خلال اندفاع الهواء فجأة من الأنف والفم وكيف تطايرت شظاياها، لكنهم يتناسون أسباب تلك العطسة.. ومدى مقدار البكتيريا والجراثيم التي انطلقت وتطايرت، والضرر والأذى الذي قد سببته لمن كان متواجدا في محيط المكان، وأنهم على أثر ذلك بحاجة للتطعيم الصحي.. لأنهم شددوا وركزوا في مشاهدتهم على مقدار الطاقة التي بذلها صاحب السمو والسعادة خلال العطسة الشهيرة، وقد تتحول إلى خبر عاجل في كافة الفضائيات، يتداوله المتملقون والمنافقون ، الذين يستثمرون أي تصرف يصدر عن هذا الزعيم الكبير وغيره ويحولونه إلى موعظة وحكمة.. ووصايا في كيفية العطس واختيار وقته ومقدار الطاقة والقوة التي خرجت من العطسة، حتى الاتجاه الذي أحدثته تجده محسوبا.

ولا يخلو الأمر من قيام البعض بتأليف الكتب وتدبيج القصائد وكتابة المقالات، حتى ان منهم يفكر بجعل هذه المناسبة السعيدة عيداً وطنياً يحتفل به الجميع؟!.

والاحتمال الأوسع هو؟ قيام الباحثين بدراسة هذه الحالة من كافة جوانبها!.

ولن تخلو مجالس الناس واجتماعاتهم من الثناء والمديح على عطسة الكبير…، التي ترافقها حملة اعلامية تدعم مصدرها ومؤديها، إلى درجة أن يتم استثمارها من قبل هؤلاء المتكسبون، المتسلقون، لتحويلها إلى مبادرة ومناسبة شعبية ووطنية يجب حمايتها وصونها، والاقتداء بها، والعمل على الحفاظ عليها، خاصة ورق التواليت (المحارم) التي تمسح أنفه وفمه بهما ووضعهما في المتحف القومي، كما نحافظ على تراثنا وتاريخنا، وتسجيلها كحق ملكية فكرية لذلك المسؤول (حقوق الطبع محفوظة)، صاحب الأنف الأفطس، الذي قذف وأطلق هذه العطسة التي لا صدى لها ولا صوت سوى عند أعوانه وبطانته الفاسدة ، الذين لا هم ولا شغل لهم سوى أن يمتدحوا هذا المسؤول الكبير ويزيدون في تعظيم كل ما يصدر عنه ، حتى لو كانت عطسة بهدف تكبير رأسه ونفخه، ليحصلوا على مكتسبات لهم تعود بالنفع عليهم ، بمنأى وبمعزل عن مقدار الضرر الذي لحق بالمواطن من عطسته تلك.

كل هذا جرى بسب عطسة! فكيف لو…؟

أما نحن… ما لنا إلا أن نطلب من الله أن يجيرنا من عطسة الحكام والمسؤولين غير المسؤولين ، في كل مكان وزمان ، ولا يمكننا إلا أن نقول: للقائد الفذ والمسؤول الكبير… عندما يعطس كما طلب منا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : “يهديكم الله ويصلح بالكم”..

على الخير نلقاكم بمشيئة الله ورعايته مع خواطر جديدة.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع