اليوم الإثنين 23 يوليو 2018 - 8:22 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 2 ديسمبر 2013 - 8:31 صباحًا

ومضات من زمن فات …إلى ما هو آت (3)

بسم الله الرحمن الرحيم
قرأت في خبر قبل أيام أن أنغولا حظرت بقانون ممارسة المسلمين لشعائرهم الدينية فيها , وأقدمت على هدم المساجد !!! ..هزُلت, أصبح للقرود لسان, وهيبة وسنان, طبعا.. فنحن في زمن العهر الذي يهتز فيه العُربان لأصوات الغواني , تنعى الشام مساجدها, وتنام فيه نواطيرُ مصرَ عن ثعالبها , ويُحارَبُ الإسلام بالمسلمين , وما تبقّى منهم من أهل العلم والدين غريبٌ أو طريد , مَفتُون أو مسجون.. ! لا أملك وهذه الحال إلا أن أقول: اللهم اجعلنا من حملة الراية في زمن تناسيها, ومن صُنّاع الغاية في زمن تهاويها, واجعل ثباتنا وصبرنا ضريبة النصر القادم الموعود, أي ربّ لا تخيبُ وأنت المقصود…
وهكذا يشاء الله سبحانه , أن ينصر دينه وأوليائه بأسد من أسوده , في زمن صفاته كهذه , وظروف سياسية تتشابه , أرادوا أن يُطلقوا عليه لقب أمير المؤمنين فرفض وقال : ” هذا شرف لا أدّعيه , ما أنا إلا رجُل أمير المؤمنين العباسي على هذه الأرض” , ولم يكن نفوذ الخليفة العباسي حينها يجاوز بغداد … , إنه أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن تاشفين رحمه الله…. , كانت الأمّة تعيش ظروفا سياسية معقّدة , فالعراق يعيش ضُعف الدولة العباسية , والشام تعيش بواكير الحملات الصليبية , ومصر تعيش الحكم الفاطمي الشيعي , والمغرب كانت حتى ظهور بن تاشفين تعيش آثار العبيدية الشيعية على ما فيها من بدع وضلال… فأعز الله به دينه, وأخزى به أولياء الشيطان, وبسط حكمه على السنغال, موريتانيا , الجزائر وتونس , أما من دخلوا في الإسلام في عهده وفي ظل دعوة المرابطين … فاسمع معي : غينيا بيساو ( جنوب السنغال ) , سيراليون , ساحل العاج , مالي , بوركينافاسو , نيجيريا , غانا , داهومي , توغو , النّيجر ( الدخول الثاني للإسلام فيها) , الكاميرون , الجابون, وحتى أفريقيا الوسطى…
ويستجيب (رحمه الله) لأهل الأندلس من المسلمين , وصلته فتاوى العلماء حتى من صاحب الإحياء ابو حامد الغزالي رحمه الله , يحثونه على المضي للجهاد هناك …, فلا يأخذ من جيشه المكوّن من مئة ألف فارس وأربع مئة ألف راجل إلا سبعة آلاف يخوض بهم عباب البحر , ويهيجُ البحر عليهم فيدعوا رحمه الله : ” اللهم إن كنت تعلم أن في عبورنا هذا خيرا فأسكن البحر حتى نعبُر , وإن كنت تعلم أن فيه شرّاً فأغرقنا فيه ” , فيسكن البحر ويعبر وأصحابه إلى الجزيرة الخضراء , وهناك تأتيه رسالة من ملك قشتالة الفوانسو السادس , يقول له فيها بلهجة المتكبّر “ما الذي جاء بك إلى بلادنا أيها البدوي الحقير ؟ ” .. صدق من قال :
ترى الرجل النحيف فتزدريه __________ وفي أثوابه أسدٌ مُزيرُ
ويعجبك الطّريرُ فتبتليه __________ فيُخلفُ ظنّك الرجلُ الطّرير
ويأتيه الجواب من الأسد بن تاشفين على قفا رسالته , يقول له : ” بلغنا أنك دعوت للاجتماع بنا , وأن تكون لك سفنا تعبر بها إلينا فها قد عبرنا إليك , وجمع الله في هذه الساحة بيننا وبينك , وسترى عاقبة دعائك , ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) , وخيّره بين الإسلام أو الجزية أو الحرب … ” , آآآه … قلوبٌ أصلحها الله وربّاها , ترى السنبلة الفارغة ترفع رأسها , والسنبلة الممتلئة بالقمح منخفضة , لا يتواضع إلا كبير , ولا يتكبّر إلا حقير , فسبحان من له الخلق والأمر والتدبير … , ويمضي ابن تاشفين بجيشه الصغير يدور به على حواضر الأسلام في الأندلس , يرى الأندلسيين جيش الصحراء هذا جاء ليذود عنهم ويحمي حماهم , فيخلعون الوهن الذي يلبَسون ,ويُقبلون فرادى وجماعات ليغسلوا عار تخاذلهم وخنوعهم , وما وصل حدود قشتالة إلا وقد جاوز جيشه الثلاثين ألفا, وأصبح قلب ألفوانسو فارغا , هلعا وخوفا , أرسل في المدائن حاشرين , واستنجد بالنصارى من فرنسا وإيطاليا وانجلترا وألمانيا حتى البابا نفسه , فاجتمع له ستين ألف مقاتل , خرجوا يرفعون الصلبان ويلتحفون صكوك الغفران , وعلى رأسهم ألفوانسو يقودهم وهو يقول : ” بهذا الجيش أقاتل الجن والإنس وأقاتل ملائكة السماء وأقاتل محمدا وأصحابه ” .., ( ليس بساذج أبدا , فهو يعلم تاريخ المسلمين وقوله هذا يدل على ذلك ) , وفي مكان يسميه النّصارى ( ساكر الياس) يتقابل الطرفان … .
في اجتماع مغلق بين ابن عباد ويوسف بن تاشفين وأمراء آخرين , يرسمون خطة الحرب , فألفوانسو خَبر حرب الأندلسيين وجرّبها سنين طوال , وغاب عنه كيف يكون قتال من جاؤوا من الصحراء , وقد أعد له بن تاشفين ما لم يخطر له على بال , أربعة آلاف من الإبل المُبرقعة , درّبت على مُهاجمة الخيل في صحراء المغرب , يقودها أربعة آلاف من خيرة جند المرابطين , وثلاثة آلاف من السودان المهرة (وحدة التدخل السريع) , ذوي رماح طويلة وسيوف هندية , استقدمهم رحمه الله من أدغال افريقبا … , ويأبى بن عبّاد إلا أن يكون وجيشه في المقدّمة , معه من الأندلسيين خمسة عشر ألفا , أما ابن تاشفين فيبتعد عنهم خلف إحدى التلال ومعه اثنا عشر ألفا فيهم الأربعة آلاف الذين ذكرت , ويخفي جنوده من السودان المدربين في مكان أبعد , يطلبُبُهم متى احتاج إلبهم كمدد , وكما قرأ ألفوانسو تاريخ المسلمين , فإن هذه الخطّة في تقسيم جيش المسلمين تدلّ أن بن تاشفين يحفظ تاريخ وأمجاد أسلافه, فقد استخدمها خالد بن الوليد رضي الله عنه حين كان يقاتل الفرس وخصوصا في موقعة الولجة , واستخدمها النّعمان بن مُقرّن رضي الله عنه في معركة نهاوند ضد الفرس أيضا … , و يُمهل ابن تاشفين ألفوانسو ثلاثة أيام , كما هو هدي المصطفى صلى الله عليه وسلّم , لكن الفوانسو بعث إليه بقول ” غدا يوم جمعة وهو عيد عندكم , وبعد غد السبت عيد اليهود وهم في جيشي كُثُر , أما يوم الأحد فعيدنا , موعدنا يوم الاثنين “, يوسف بن تاشفين لا يُخبر جيشه بأمر الرسالة لأنه يعلم أن عدو الله مخادع , يعلم انّهم قوم”يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله” , يعلم أن الله قال فيهم ” أوكلّما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ” , يُنظّم جيشه ويبيتُ على تعبئة , ولسان حالهم يقول : أي ربّ , ما أكثرك في قلوبنا وما أقلّ الكثيرينا .. وكيف ينام من بات عقله لله , وقلبه لله وهو في رباط في سبيل الله ..

وتأتي البشارة في تلك الليلة لأحد الصالحين.. , ثمّ كانت المفاجأة …, فما هي ؟ ومن يكون يا تُرى ؟ لقد طار بها جيش المسلمين فرحا… تابعونا…

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع