اليوم الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 - 12:07 مساءً
أخر تحديث : الإثنين 2 ديسمبر 2013 - 8:31 صباحًا

عسل مقلوب – رفاد غانم (أبو سلمان)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
لا يخفي عليك أخي القارئ ما للعسل من فوائد جمة ومزايا عديدة جعلته شيئا معتبرا على مر العصور والأزمان، وفي شتى المجالات… لكن ماذا لو كان العسل مقلوبا؟! بمعنى: لو لفظنا كلمة عسل بالمقلوب! يتحول العسل إلى لسع! العسل المفيد أصبح بشكل مفاجئ لسعا ضارا! لست هنا بصدد الحديث عن العسل وفوائده ومناقبه العديدة، أو اللسع ومضاره المختلفة.. إنما أردت من سرد هذا الكلام تسليط الضوء وإمعان النظر في ظاهرة خطيرة متفشية في مجتمعنا المسلم، إنها ظاهرة المظاهر الكذابة أو الخداعة، أو إن شئت فقل: اللسع الذي يراه الناس عسلا!
قبل أن أطرق صلب الموضوع يحضرني مثال آخر يشحذ الأفهام… فأحايانا كثيرة تجد نفسك أخي المسلم أمام حبة فاكهة! يعجبك بريقها ويروق لك شكلها وتتوق نفسك لالتهامها والتلذذ بمذاقها الساحر… ثم تفاجأ بعد أول لقمة أن الدود بأشكاله وألوانه ينخر فيها من الداخل! حينها تدرك بعد أن رفعت من شأنها وعظمت من قدرها أنها لا تساوي شيئا، وتسارع بإلقائها في أقرب سلة قمامة! ببساطة: لأنك أدركت وعرفت حقيقة الأمر!
هذا الزمان هو زمن المظاهر، زمن التنافس من سيكون الأبهى والأجمل والأغنى والأرفع قدرا بين الناس، تجد الانسان في أبهى صورة، في أجمل لبس وفي قمة الاناقة لكنه من الداخل كالمزهرية متعددة الألوان من الخارج ومفرغة من الداخل.. وقد وصف القران الكريم هذه الفئة من الناس في قوله تعالى: “وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ”، هذه الآية وصفت الذين يتظاهرون بكمال الأجسام والجمال وقمة الأناقة لكنهم مفرغين من الداخل، جوهرهم يكاد معدوما، لا يحملون ذرة مسؤولية.. هذا هو حال مجتمعنا الإسلامي في الآونة الآخيرة..
يُرجع علماء النفس الإهتمام بالمظاهر أو حب الظهور لمرض نفسي نتيجة الإحساس بعقدة النقص ممن هم أعلى من المستوى، والصحيح أن السبب الاول والأساسي لهذه الظاهرة هو قلة الإيمان بالله وعدم الرضا الكامل بشرع الله وبقضاء الله. محبو المظاهر يعيشون في قلق وتوتر دائم تأخذ التعاسة والهم منهم كل مأخذ، إنهم يبحثون عن السعادة، ويطمعون في الراحة والاستقرار، كيف ينالون مرادهم وهم يسيرون وراء كل ناعق، ويلهثون وراء كل مظهر زائل؟ تستهوي قلوبهم البهارج الكذابة، وتسلب عقولهم الزخارف المزيفة… لا يتعدى همهم واهتمامهم ما تقع عليه أبصارهم! إنهم عباد المظاهر وموتى السرائر…
إنني أتحدث عن ذلك الرجل الذي رزقه الله مالا وولدا وزوجة وصحة ووظيفة…، مرموق المكانة في المجتمع ومسموع الكلمة بين الناس، وحتى شكله الخارجي يوحي إليك أنه رجل “محترم”! إن سألت عنه فهو الموظف المميز المخلص لعمله، وإن سألت عن أولاده وبناته فبين أستاذ وطبيب وممرضة..، بيت ظاهره النجاح والفلاح… لكن هذه النظرة الضيقة التي سيطرت على عقولنا ومسخت أفهامنا هي التي روجت للباطل من حيث لا ندري… لأنك عندما ترى ذلك الرجل “الناجح” لا يعرف للصلاة سبيلا، ولا للمسجد طريقا، ولا للمصحف شكلا ومضمونا… عندما تتفاجأ -أو ربما لا تتفاجأ- بأولاده وبناته “الناجحين” أنهم لا يعرفون من الدين إلا اسمه، ومن القرءان إلا رسمه.. ثم تراهم جميعا من ذوي الهيبة والوجاهة والاحترام في المجتمع، بينما لا تجد عشر معشار هذا التبجيل لأرباب الدين والعلم والفضيلة… حينها تعلم أن الألسنة قد عافت العسل الخالص، واستمرأت واستطابت اللسع المؤلم، لا لشيء إلا لضيق النظر وسوء الفهم، وفساد الضمير.. جاء في الحديث الصحيح: “سيأتي على أمتي سنوات خداعات يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويؤتمن الخائن و يخون فيها الأمين..”
إنني أتحدث عن تلك المرأة التي خرجت بكامل زينتها على مرأى أبيها وأمها، “لتطلب العلم”، وتمشي في مناكب الأرض.. فيُكِنُّ لها الناس كل الاحترام والتقدير لأنها تحدّت المجتمع، ولم تخضع لضغوطاته المستمرة! أليست مصدرا لجلب المال؟ أو قل: لحلب المال والاستغلال!! أليست الدراهم هي المراهم؟! أليس المال هو الحل لكل المشاكل والأحوال؟ ألا تخجلون من أنفسكم أيها “الرجال”؟! يا ليتها وعت ووعى من أخرجها كم أعانت بخروجها على معصية، وكم سببت من رذيلة، وكم نالت من شؤم… جاء في الحديث الصحيح: “صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا”! فأي شؤم بعد هذا؟ وعن أي مال نتحدث بعد هذا؟ تعلم الآن أن كل ذلك الجمال والزينة والطيب والعسل ما هو إلا لسع… لمن ينظر إلى الأمام قليلا…
إنني أتحدث عن أعراسنا التي أصبحت المكان الأنسب للتقليد والمباهاة على حساب إثقال كاهل الشباب الذي يسعى مستميتاً لتحصين نفسه بالحلال، ولكنه لا يقوى على رفض سلسلة الطلبات والتكاليف غير المنتهية وغير المبررة، حتى يجد نفسه بين عشية وضحاها قد أصبح أسيراً ومكبلاً بقيود القروض التي لا ترحم، حتى تتحول حياته مع زوجه إلى جحيم وعبء لا يقدر عليه.. بل إنني أتحدث عن مآتمنا التي لم تسلم من المباهاة والمظاهر والتقليد الأعمى غير المقيد بضوابط الشرع…
لقد آن لنا أن نتقي الله في أنفسنا وفي أبنائنا وفيمن حولنا، ونكف عن التقليد الأعمى وعن المفاخرة والتباهي على حساب سعادتنا وراحتنا وربما على حساب سعادة من نحب، فقط من أجل أن يقال عنا كذا وكذا.. لنكن أبسط من ذلك ولنعد قليلاً للوراء بقلوبنا وبتفاصيل حياتنا علنا نرجع بسطاء أنقياء لا تكبلنا قيود التقليد والمظاهر الكذابة… نسأل الله أن يردنا جميعا إلى ديننا ردا جميلا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع