اليوم الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 4:29 صباحًا
أخر تحديث : الأربعاء 4 ديسمبر 2013 - 8:42 صباحًا

سلسلة شرح أحاديث الأربعين نووية – ح 4 – الشيخ محمود العارف

نص الحديث الثاني

عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيضاً قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوْسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيْدُ بَيَاضِ الثِّيَاب شَدِيْدُ سَوَادِ الشَّعْرِ لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ الله، وتُقِيْمَ الصَّلاَة، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُوْمَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البيْتَ إِنِ اِسْتَطَعتَ إِليْهِ سَبِيْلاً  قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنِ الإِيْمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلائِكَتِه، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآَخِر، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ  قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ:  أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ  قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ:  مَا الْمَسئُوُلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ  قَالَ: فَأَخْبِرْنِيْ عَنْ أَمَارَاتِها، قَالَ:  أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرى الْحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُوْنَ فِي البُنْيَانِ  ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثَ مَلِيَّاً ثُمَّ قَالَ:  يَا عُمَرُ أتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟  قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوله أَعْلَمُ، قَالَ:  فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ) رواه مسلم والترمذي والنسائي.

أهمية الحديث:

قال ابن دقيق العيد: هذا حديث عظيم اشتمل على جميع الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه؛ لما تضمنه من جمعه علم السنة، فهو كالأم للسنة؛ كما سميت الفاتحة (أم القران)؛ لما تضمنته من جمعها معاني القران.

وهو ومن الأحاديث المتواترة؛ لأنه ورد من رواية ثمانية من الصحابة رضوان الله عليهم جميعا.

لغة الحديث:

 (لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ): لأن ثيابه بيضاء وشعره أسود ليس فيه غبار ولا شعث السفر، ولهذا قال:  لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ لأن المسافر في ذلك الوقت يُرى عليه أثر السفر، فيكون أشعث الرأس، مغبرّاً، ثيابه غير ثياب الحضر، لكن لا يرى عليه أثر السفر.

( وَلا يَعْرِفْهُ مِنَّا أَحَدٌ):  أي وليس من أهل المدينة المعروفين، فهو غريب.

 (أَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلىَ رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَىَ فَخِذَيْهِ) وهذا من شدة الاحترام.

 (وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ ): ولم يقل: يا رسول الله ليوهم أنه أعرابي، لأن الأعراب ينادون النبي صلى الله عليه وسلم باسمه العلم، وأما أهل الحضر فينادونه بوصف النبوة أو الرسالة عليه الصلاة والسلام . 

(قَالَ: صَدَقْتَ): القائل صدقت: جبريل عليه السلام وهو السائل، فكيف يقول: صدقت وهو السائل؟ لأن الذي يقول: صدقت للمتكلم يعني أن عنده علماً سابقاً علم بأن هذا الرجل أصابه، وهو محل عجب، ولهذا تعجب الصحابة كيف يسأله ويصدقه.

(اخبرني عن الساعة): اخبرني عن وقت مجيئها يوم القيامة.

(أماراتها): العلامات التي تسبق يوم القيامة. أن تلد الأمة ربتها: أن تلد الجارية سيدتها وقيل كناية عن كثرة العقوق.

 

 

 

ما يرشد إليه الحديث:

1-للعلم والمساجد لها مكانتها فعلى طالب العلم عند حضور مجالس العلم والمساجد أن يلبس الثياب النظيفة والتطيب بالرائحة الزكية والتأدب بين يدي أهل العلم مهما كانت مكانتك ومرتبتك في الدنيا فلا أعلى ولا أشرف لا أشرف من مقام العلم.

اقرأ معي قصة من يعرف للعلم قدره:

وفي إحدى المناسبات دعي أحد العلماء على مأدبة هارون الرشيد، وكان ضريراً، وعندما كان يغسل يديه، قيل له:- أتدري من يصب الماء على يديك؟ قال: لا..      قالوا: أمير المؤمنين.

وهذا شجار نشب بين الأميرين الصغيرين وليي العهد: الأمين والمأمون
ويفض الخلاف ويتضح السبب، إنه على شرف تقديم.. تقديم ماذا؟     تقديم حذاء!!!
لمن؟       لشيخهما وأستاذهما الشيخ الكسائي
ويقبل الطرفان بحل وسط، فكل أمير يحمل أحد النعلين، ويسري الخبر في القصر.
ويهتز الخليفة طرباً من أدب أبنائه، واحترامهم للعلم وإجلالهم للعلماء حتى أنه أرسل إلى الكسائي ليحضر مجلسه الذي يضم أقطاب الخلافة وليزرع في نفوس من حوله محبة العلم.
فيسأل الرشيد الشيخ الكسائي:- من أعز الناس؟
فيجيب الشيخ: أمير المؤمنين.
فيقول الخليفة: لا، بل أعز الناس، الذي يتسابق وليا العهد لتقديم الحذاء له.

2-ما هو الاسلام؟: الاسلام: لغة: الانقياد والاستسلام لله تعالى.

أما الاسلام شرعا: قائم على أركان خمسة: الشهادتان، واقام الصلاة في أوقاتها كاملة الشروط والأركان، مستوفاة السنن والآداب، وايتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت مرة واحدة في العمر على من قدر عليه وتوفر له مؤونة السفر من الزاد والراحلة ونفقة الأهل والعيال.

لم نفصل هنا في أركان الاسلام لأن التفصيل سيكون في الحديث الثالث القادم إن شاء الله.

3-ما هو الايمان؟ الايمان لغة: التصديق، وشرعا: التصديق الجازم .

الايمان بالله: الايمان بوجود الله تعالى الخالق وأنه سبحانه واحد لا شريك له.

الايمان بالملائكة: التصديق بوجود خلق لله هم الملائكة، وهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، خلقهم الله من نور، لا يأكلون ولا يشربون ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة ولا يتناسلون،  وقادرون على التمثل بصورة البشر، ولا يعلم عددهم إلا الله.
ومنهم من نؤمن بهم بأسمائهم وأعمالهم ونذكر على سبيل المثال لا الحصر:

جبريل: موكل بالوحي، ينزل به من عند الله إلى رسله.

وميكائيل: موكل بالقطر أي المطر، والنبات أي نبات الأرض.

وإسرافيل: موكل بالنفخ في الصور .

الايمان بالرسل جميعهم: الذين اختارهم الله لهداية خلقه، وانزل عليهم الكتب السماوية، نؤمن أنهم معصومون دون غيرهم من الخلق، لا نفرق بين أحد منهم. 

أفضلهم أولوا العزم من الرسل وهم خمسة: نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد.

قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) (الأحزاب: الآية7) وفي سورة الشورى قال الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّين)(الشورى: الآية13)

وأفضلهم جميعا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:  أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ….

ولما التقى بهم في الإسراء أَمَّهم في الصلاة، فإبراهيم إمام الحنفاء صلى وراء محمد صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أنه لا يقدم في الإمامة إلا الأفضل، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل أولي العزم.

الايمان بالكتب السماوية المنزلة من عند الله وأنها شرع الله قبل أن تحرف أو تبدل.

  أن نؤمن بما علمنا من أسمائها، مثل: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى.

الايمان باليوم الاخر: أن الله يبعث الناس من قبورهم، ويحاسبهم على أعمالهم ويجزيهم عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

الإيمان بما ذكر في اليوم الآخر من الحوض والشفاعة والصراط والجنة والنار فالجنة دار النعيم، والنار دار العذاب الشديد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- في العقيدة الواسطية: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم يكون بعد الموت مثل الفتنة في القبر فإن الناس يفتنون في قبورهم ويسألون عن ثلاثة أشياء: من ربك ؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟

رابعاً: الإيمان بنعيم القبر وعذابه، لأن ذلك ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف.

وهنا ننبّه على ما نسمعه من قول بعض الناس أو نقرأه في بعض الصحف إذا مات إنسان قالوا: انتقل إلى مثواه الأخير.وهذا غلط عظيم

الايمان بالقدر: وان ما يجري في الكون هو بتقدير الله وارادته.

هذه أركان الايمان، من اعتقد بها نجا وفاز، ومن جحدها ضل وخاب.

4-من فهم معنى الاسلام والايمان فلا عبرة بإيمان دون اسلام ولا عبرة لإلام بلا ايمان لأنهما متلازمتان، فلا بد من ايمان بالقلب وعمل بالأعضاء.

5-ما هو الاحسان؟: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

فصار للإحسان مرتبتان: مرتبة الطلب، ومرتبة الهرب.

مرتبة الطلب: أن تعبد الله كأنك تراه.

ومرتبة الهرب: أن تعبد الله وهو يراك عزّ وجل  فاحذره، كما قال عزّ وجل: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ )(آل عمران: الآية30)، وبهذا نعرف أن الجملتين متباينتان والأكمل الأول، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الثاني في مرتبة ثانية متأخرة.

6-الساعة وأماراتها:

والساعة هي: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، يعني البعث، قال النبي صلى الله عليه وسلم مَا المَسْؤُوْلُ عَنْهَا  يعني نفسه صلى الله عليه وسلم بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ  يعني جبريل عليه السلام، والمعنى: إذا كنت تجهلها فأنا أجهلها ولا أستطيع أن أخبرك به، لأن علم الساعة مما اختص الله به عزّ وجل ، قال الله تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) (الأحزاب:63) ، وقال عزّ وجل: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً )(الأعراف: الآية187) ولهذا يجب علينا أن نكذب كل من حدد عمر الدنيا في المستقبل.

بل انظر معي عظيم الساعة، ولهذا جاءت لها أمارات وعلامات حتى يستعد الناس لها – رزقنا الله وإياكم الاستعداد لها

لذلك قال:  أخْبِرْنِي عَنِ أَمَارَاتِهَا  أي علامات قربها، لأن الأمارة بمعنى العلامة، والمراد أمارات قربها وهو ما يعرف بالأشراط، قال الله عزّ وجل:  (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا )(محمد: الآية18) وأشراط الساعة قسّمها العلماء إلى ثلاثة أقسام:

أ-أشراط مضت وانتهت ب-أشراط لم تزل تتجدد وهي الوسطى

ت-أشراط كبرى تكون عند قرب قيام الساعة

ومن علامات الساعة ما ذكره صلى الله عليه وسلم  في هذا الحديث بقوله:

 أَنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبّتَهَا  وفي لفظ:  ربَّهَا  والمعنى:  أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ  أي الرقيقة المملوكة  رَبَّهَا  أي سيدها، أو:  ربَّتَهَا، وهو دلالة على فساد الزمان، وضعف الاخلاق، وكثرة العقوق فيعاملون اباءهم معاملة السيد لعبيده.

 وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ  الحفاة: يعني ليس لهم نعال، والعراة: أي ليس لهم ثياب تكسوهم وتكفيهم، العالة: أي ليس عندهم ما يأكلون من النفقة أو السكنى أو ما أشبه ذلك، عالة أي فقراء.

 يَتَطَاوَلُوْنَ في البُنْيَانِ  أي يكونون أغنياء حتى يتطاولون في البنيان أيهم أطول. ومن رأى أهل الخليج والتطاول في الابنية بل يكفيك برج دبي… من البداوة إلى ناطحات السحاب.

7-السؤال عن العلم: فالإنسان يسأل عما يفيده في دنياه واخرته، ويترك السؤال عما لا فائدة فيه. وإذا كان أحد الحضور في مجلس علم بحاجة إلى مسألة ما، ولم يسأل عنها أحد، فله أن يسأل هو عنها وإن كان يعلمها، لينتفع أهل المجلس بالجواب.

ومن سئل عن شيء لا يعلمه وجب عليه أن يقول: لا أعلم.

 

8-جواز التورية لقوله:  يا مُحَمَّد) وهذه العبارة عبارة الأعراب، فيوري بها كأنه أعرابي، وإلا فأهل المدن المتخلقون بالأخلاق الفاضلة لا ينادون الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذا.وفي هذا الكفاية لمن أدركته العناية.وما كان من صواب فمن الله وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. وإلى لقاء قادم مع الحديث الثالث من سلسلة شرح أحاديث الاربعين نووية إن شاء الله.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة : ,

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com