اليوم الخميس 19 أكتوبر 2017 - 9:24 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 6 ديسمبر 2013 - 10:14 صباحًا

ذبح الأبقار المقدسة – ح 02 – خالد عقاد

الرابطة القومية
يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].
 …الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ …  [الأنفال : 73]
 وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ …  [التوبة : 71]
 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ …  [الحجرات : 10]
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيـمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  [التوبة : 23-24]

لقد كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم نقلةً نوعيةً وثورةً عالميةً، قلبت المجتمع الجاهلي إلى مجتمع إسلامي متميز بكل شيء، فبعد أن كان الناس في الجاهلية متفرقون منقسمون متخاصمون حسب أعراقهم و قومياتهم وشهواتهم؛ جاء الإسلام فوحدهم ورصَّصَ صفهم على أساس الإسلام وعلى رابطة مبدئية عالمية، وإن أبرز ما قضى عليه الإسلام من دركات المجتمع الجاهلي هو النزعة القومية التي كانت سائدة آنذاك، فجاء الإسلام وأُنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين لينذر الناس كافة بغض النظر عن قومياتهم وأعراقهم؛ ففي الإسلام وحده أصبح عُمَرُ العربي وصهيبٌ الرومي وسلمانُ الفارسي وصلاح الدين الكردي وطارق بن زياد البربري ومحمد الفاتح التركي إخوة، وأفضلُهم هو أتقاهم لله وقد تفوَّقوا بإسلامهم فحسب، وليس ذاك إلا لأن الإسلام مبدأ عالمي وشفاء لأمراض البشرية جمعاء في كل زمان ومكان، وقد بتر الإسلام كل النزعات المفرِّقة النتنة ووحَّد كلَّ من انتمى إليه ـ أياً كان عرقه ـ تحت صفة واحدة قال سبحانه وتعالى : ” إنما المؤمنون إخوة ” وقد بقي المسلمون كذلك، طالما ظلوا متمسكين بدينهم مُترفِّعين عن ترهات المجتمع الجاهلي؛ يحملون الإسلام وينشرون به العدل والخير في أنحاء المعمورة، وعندما ابتعدوا عن دينهم وتقاعسوا عن عالميته، تحكم الكفار بهم فهبطوا إلى منحدرات الذل والهوان والتبعية و العصبية، فنشأت بينهم روابط نتنة بعيدة عن دينهم ومبعث عزهم وأبرز هذه الروابط الهابطة هي الرابطة القومية.
إنّ الرابطة القومية هي من الأفكار الدخيلة على الأمة الإسلامية، وكما عبّر عن ذلك واحد من كتاب الغرب وهو (برنارد لويس) في كتابه (الغرب والشرق الأوسط) والذي قال فيه: “في هذه الإمبراطورية (يعني الدولة الإسلامية) كان ولاء المسلمين الأساسي للإسلام وللدولة التي تجسد واقع الإسلام، وللخلافة التي اكتسبت الصفة الشرعية بالمبايعة على مرور الزمن، والتي كانت تسوس أمور الناس وكان المعارضون والمتمردون والثائرون يسعون لتغيير الوزراء أو الحكام أو حتى الخلافة الحاكمة كلّها، ولكنهم لم يسعوا أبداً لتغيير أساس الولاء لدولة الإسلام ولوحدة هويته. كان هذا هو الموقف في الشرق الأوسط حتى القرن التاسع عشر، وربما حتى القرن العشرين، ولقد كانت فكرة قيام الدولة على أساس الأرض والوطن القومي غريبة وأجنبية بالنسبة للمسلمين، وكذلك الأتراك لم يخترعوا كلمة تركيا إلا حديثاً، وهي من أصل أوروبي، أما العرب فلم يخترعوا تعبيراً جديداً، بل اكتفوا بالتعبير الذي يدل على جزيرة أو شبة جزيرة العرب، وبقي هذا الوضع سائداً إلى أن بدأت الأفكار الأوروبية الجديدة (تلغم) الأساس المتين للرضى والقبول اللذين كان يستند إليهما ذلك الوضع، وبدأ تأثير الغرب. وكان نفوذ الأفكار والأعمال الغربية مشجعاً على أفكار سياسية جديدة تؤثر على شكل السلطة في الدولة، وعلى القاعدة التي ترتكز عليها وحدة المواطنين. وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تعددت وتغيرت الولاءات التي كانت قائمة للخلافة الإسلامية القديمة، والتي كانت تحكم العرب والعجم والترك، وحلّت محلّها أفكار ممزقة مبعثرة أوروبية، وهي مزيج من الوطنية والقومية ونظريات خيالية عن الوطن والقوم حَجَبَت الحقائق القديمة الواقعية في الدولة والعقيدة…، واليوم انعزلت فكرياً أكبر الشعوب الثلاثة في الشرق الأوسط عن بعضها، وكل شعب شغل بمفرده في حواره مع الغرب”. هذا ما قاله برنارد لويس الغربي شامتاً بالمسلمين .
والقومية رابطة رخيصة عاطفية تربط بين أبناء القوم الواحد بغض النظر عن الدين وهي رابطة قبلية ضيقة تنشأ عن غريزة حب البقاء فيوجد منها حب السيادة والسلطة، وهي لا تصلح للربط بين البشر ولا أن توحدهم على طريق النهضة؛ لأنها خالية من الفكر ولا علاقة لها به ولا بالنظام، فهي غير صالحة لنهضة الأمة أبداً؛ فكل الذي تملكه هو عاطفة الانتساب للقوم والتعصب لذلك القوم، والعمل على أن يكون سيداً على غيره من الأقوام ولذا فهي غير إنسانية وهي تسبب الخصومات بين الناس، وهي تفرق ولا تجمع، فالعرب والأكراد والأتراك والفرس والبربر و… قوميات مختلفة وبين أبنائها خصومات كثيرة وتكثر كلما ابتعدوا عن الإسلام وتحاول كل قبيلة فرض سيطرتها على الأخرى وإقامة كيان خاص بها، وبهذا فالرابطة القومية غريبة عن الإسلام وهي فكرة أوجدتها الدول الكافرة في بلاد المسلمين لإبعادهم عن الإسلام وشق صفهم وتمزيق وحدتهم ــ مستغلة ضعف تمسك المسلمين بدينهم وتقاعسهم عن تطبيقه ــ والقضاء على دولتهم وبالتالي الرضوخ لأنظمة الكفر وإقامة العوائق دون تطبيق الإسلام؛ وعليه فالإسلام يحرم الدعوة إلى القومية ويعمل على وأدها وقد جعل من يدعو لها ليس من المسلمين قال صلى الله عليه وسلم: ” من دعا إلى عصبية فليس منا ” وقد اعتبر من يموت وهو يدافع عنها يموت ميتة جاهلية؛ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” من قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية أو يدعو لعصبية أو ينصر عصبية، فقُتل فقتلته جاهلية “، وقال صلى الله عليه وسلم: ” لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعل يدهده النتن بأنفه ” فالدعوة إلى القومية هي دعوة ضد الإسلام وإثمها عند الله كبير وجزاؤه سعير، وأيضاً الانتساب للأحزاب القومية لا يجوز لأنها تعمل لصد المسلمين عن دينهم وإبعادهم عن عقيدتهم. ويجب أن يكون واضحاً أنَّ حمل الإسلام باللغة العربية لا يعني قومية الإسلام وعروبته، ولا تعني الدعوة للإسلام الدعوة إلى القومية العربية؛ فالإسلام شيء و القومية شيءٌ آخر يجب التبرؤ منه، فديننا مبدأ يقوم على العقيدة الإسلامية ونظام متكامل يعالج شؤون الحياة وينظمها من كافة جوانبها؛ وعلينا أن ندرك بأنَّ إسلامنا واحد شرعه لنا الله عز وجل وألزمنا التقيد به وخلافُ ذلك سنبقى في خلافٍ وشقاقٍ وتيهٍ وغضبٍ من الله جل جلاله وحجبٍ لنصره عنا، قال سبحانه وتعالى: ” فإن ءامنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم “.
إن التيار الذي يتحرك في المنطقة الإسلامية هو تيار إسلامي، لذلك فهو تيار مخيف لأعداء الإسلام، لأنه يذكّر الأمة الإسلامية بحقيقتها التاريخية، ويذكّرها بأساس وحدتها وعامل قوتها، وأداتها للتخلص من ذلّ التبعية والقهر، فالإسلام هو الذي جمع بين أتباعه وجعلهم أمة واحدة من دون الناس، هي خير الأمم، أمة موحدة الأفكار والمشاعر، متينة البنيان وطيدة الأركان ثابتة الكيان، يشد بعضها بعضاً، وقد ألّف الله سبحانه وتعالى بين قلوب المسلمين بالإسلام، برباط وثيق من المودة في الله سبحانه وتعالى، فوجدت الألفة والمحبة والاخوة في الله بين كل الشعوب الإسلامية على اختلاف أعراقها، وكان مقياس التفاضل بينها التقوى وليس غير، قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، وقال : «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». والإسلام الذي جمع بين أبي بكر العربي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي قادر الآن وفي كل وقت أن يجمع بأفكاره الصافية ومفاهيمه الصحيحة بين المسلم الأفريقي والمسلم الروسي والمسلم الصيني والمسلم الأميركي وأن يجعلهم من أمة الإسلام الواحدة.
إننا نؤمن برب واحد هو الله ، ونتبع نبياً رسولاً هو محمد ، ونتوجه إلى مكان واحد هو الكعبة ، وتعتزّ بتاريخ واحد هو تاريخ الإسلام ورجال مشتركين هم أبو بكر وعمر وعلي وخالد وصلاح الدين ، ولنا مثل واحدة وأخلاق واحدة ونريد حياة واحدة ونظاماً واحداً وغاية واحدة .. فهل في الروابط ما هو أقوى من هذه الرابطة ؟
 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  [آل عمران : 103]

نسأل الله الكريم أن يجعلنا جميعاً معشر المسلمين من المبرئين من الزيغ والضلال، وأن نتمسك بحبل الله المتين الذي ارتضاه لنا، إنه نعم المولى ونعم النصير.

اخوكم
خالد عقاد

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة : ,

اتـرك تـعـلـيـق 4 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1

    بارك الله بك اخي خالد على موضوعك الرائع ونسأل الله تعالى ان يكون في ميزان حسناتك . هل يمكن ان نقول ان العائلية الدارجة في جت وخصوصاً فترة الانتخابات من تصويت لرئاسة وحتى لعضوية كالقومية المنتنة ؟؟؟؟

  2. 3

    اللهم وحد صفوف المسلمين ونصرهم على اعداء الدين

  3. 4

    الرابطةالقوميه مثل الرابطه القبلية مثل الرابطه العائليه جميعها روابط ضيقة تنشأ عن غريزة حب البقاء فيوجد منها حب السيادة والسلطة وليست روابط عقليه ولا علاقه لها بتحديد نوع النظام فجميعا روابط غريزيه , الفرق الوحيد هو من حيث الضيق والاتساع فالرابطه القوميه اوسع من الرابطه القبليه والتي بدورها اوسع من الرابط العائليه . اما الاتخابات فاظنك تقصد الانتخابات للمجالس البلديه فان اللعب على وتر القوميه غير وارد لان المتنافسين على السياده والسلطه ينتمون الى نفس القوميه مما يضطرهم للبحث عن استغلال مشاعر غريزيه اكثر ضيقا فتجدهم بالغالب يستغلوا الرابطه العائليه لتحقيق اهدافهم السياسيه او الشخصيه الا من رحم ربي والله المستعان . على كل حال ما ينطبق على الرابطه القوميه ينطبق ايضا على الرابطه العائليه , والدعوه الى هذه الوابط الفاسده سببه الوسط السياسي الذي لا يتورع عن استخدامها لخدمة اهدافه .