اليوم الأربعاء 22 مايو 2019 - 4:48 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 8 ديسمبر 2013 - 8:46 صباحًا

ألَم يجِدكَ يتيمًا فآوى – امير بهاء الدين

إلى أمّه الحنون:
بعد حادثة شقّ الصدر، خشيت حليمة على محمد صلى الله عليه وسلم، فردّته إلى أمّه وكان عندها إلى أن بلغ ستّ سنين.
ورأت آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تزور قبر زوجها في يثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلومتر، ومعها ولدها محمد صلى الله عليه وسلم، وخادمتها أم أيمن، وقيّمها عبد المطلب، فمكثت شهرا ثم قفلت وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثمّ اشتدّ حتى ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة. [١]

وهكذا أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيما، تتولاّه عناية الله وحدها، بعيدا عن الذراع التي تمعن في تدليله، والمال الذي يزيد في تنعيمه، حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة، فتلتبس على الناس قداسة النبوّة بجاه الدنيا، وحتّى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني. [٢]

إلى جده عبد المطّلب:
وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنوّ في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب بمصاب جديد نكأ الجروح القديمة، فرقّ عليه رقّة لم يرقّها على أحد من أولاده، فكان يؤثره عليهم، ويُجلِسُه على فراشِهِ في ظلّ الكعبة، فإن أراد أعمامه أن يؤخروه عن فراش أبيهم إجلالا لأبيهم كان عبد المطلب يقول: دعوا ابني هذا، فوالله إنّ له لشأنا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسرّه ما يراه يصنع.
ولثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى الله عليه وسلم توفي جدّه عبد المطلب بمكّة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه. [١]

إلى عمه الشفيق:
ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمّه إلى ولده وقدّمه عليهم واختصّه بفضل احترام وتقدير، وظلّ فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته ويصادق ويخاصم من أجله. [١]

بحيرى الراهب:
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة ارتحل به أبو طالب تاجرًا إلى الشام، حتّى وصل به إلى بصرى، وكان في هذا البلد راهب عٌرِفَ ببَحيرى، واسمه فيما يقال: جرجيس. فلما نزل الركب خرج إليهم، وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك، فجعل يتخلّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا سيّد العالَمين، هذا رسول ربّ العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين.
فقال له أشياخ قريش: وما علمك بذلك؟
فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خرّ ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبيّ، وإني أعرفه بخاتم النبوّة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا.
ثمّ أكرمهم بالضيافة، وسأل أبا طالب أن يردّه ولا يقدم به إلى الشام، خوفا عليه من الروم واليهود. فبعثه عمّه مع بعض غلمانه إلى مكة. [١]

حرب الفِجار:
وكانَ محمد صلى الله عليه وسلم يجهّز النّبل لعمومته للرّمي في حربٍ بين قريش -ومعهم كنانة- وقيس عيلان يُقال لها حرب الفِجار (الرابعة). وسمّيت بذلك لأنها وقعت في الأشهر الحرم. وكان سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حينها عشرين سنة. [١]

حلف الفضول:
كان هذا الحِلف على إثر حرب الفِجار، حيث تداعت قبائل من قريش فاجتمعوا وتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظَلَمه حتى ترد عليه مظلمته.
وشهد هذا الحلفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: (لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحبّ أنّ لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت). [١]

حياة الكدح:
وكان صلى الله عليه وسلم يرعى الأغنام، في بني سعد وفي مكّة، ثمّ انتقل إلى التجارة حين شَبّ.

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم). فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: (نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة).
وقال الحافظ في الفتح: قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يجعل لهم التمرّن برعيها على ما يكلَّفونه من القيام بأمر أمّتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصّل لهم الحِلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها، وجمْعها بعد تفرّقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوّها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدّة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمّة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلّفوا بذلك من أول وهلة، لِما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم. وخصّت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأنّ تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر […]. وفي ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن علِم أنه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربّه والتصريح بمننه عليه وعلى إخوانه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. [٢]

يتحدث بعض العلماء عن الأخذ بالأسباب، وعن التجريد في موضوع كسب القوت، ويعتبرون كلا منهما في محلّه هو الكمال. وهكذا كان شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت حياته قبل النبوة عملا متواصلا لكسب القوت، فمن رعي غنم إلى رعي إبل إلى تجارة، ومن إجارة إلى شركة، وقد استمر هذا بعد النبوّة ضمن حدود، حتى إذا اقتضت الدعوة الإسلامية تجريدا لم يبق لمحاولة الكسب محل، فكان التجريد على أكمله، فحتّى فُتحت خيبر لم يكن له -عليه الصلاة والسلام- معلوم في الرزق، بل هو الزهد والعفة والتوكل -وكلا المقامين من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. [٢]

وفي الخامسة والعشرين من عمره خرج تاجرا إلى الشام في مال خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وكانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم بشيء تجعله لهم، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة. فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام. [١]

زواجه بخديجة:
ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه صلى الله عليه وسلم من خلالٍ عَذبة وشمائل كريمة وفكر راجح ومنطق صادق ونهج أمين، وجدت ضالّتها المنشودة – وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبى عليهم ذلك- فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبّه، وهذه ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك، وكلّم أعمامه، فذهبوا إلى عمّ خديجة وخطبوها له، وتم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مُضَر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين.
وكانت سنّها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلا، وهي أول امرأة تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها سوى إبراهيم، ولدت له: أولا القاسم -وبه كان يكنّى- ثمّ زينب ورقيّة وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله. وكان عبد الله يلقَّب بالطيب والطاهر. وماتَ بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن، إلا أنهن أدركتهنّ الوفاة في حياته صلى الله عليه وسلم سوى فاطمة رضي الله عنها، فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به. [١]

بناء الكعبة وقضية التحكيم:
عندما كان محمد صلى الله عليه وسلم ابن خمس وثلاثين سنة، قامت قريش ببناء الكعبة، وذلك لأن الكعبة كانت رضمًا [يعني صخورا عظيمة] فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرّضت -باعتبارها أثرا قديما- للعوادي التي أدهت بنيانها وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيبا، فلا يدخلون فيها مهر بغي ولا بيع ربًا ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي، فأخذ المعول وقال: اللهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم إلى اليوم الثاني، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم عليه السلام، ثم أرادوا الأخذ بالبناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءا منها، فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بناء رومي اسمه: باقوم.

ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسا، وكاد الأمر يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، فاتفقوا على رأي أبي أمية ابن المغيرة المخزومي: أن يحكّموا بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد، وشاء الله أن يكون ذلك محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد!
فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر طلب رداءً فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه.

وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة أذرع، وهي التي تسمّى بالحِجر والحطيم، ورفعوا بابها من الأرض، لئلا يدخلها إلا من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعا سقفوه على ستة أعمدة.

[١] الرحيق المختوم. المباركفوري (بتصرف)
[٢] السيرة النبوية. سعيد حوى.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com