اليوم الجمعة 17 أغسطس 2018 - 12:18 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 20 ديسمبر 2013 - 8:47 صباحًا

ذبح الأبقار المقدسة-03- الــرابــطــة الــــوطــنــيـــة

إن الوطنية بمعنى حب الوطن والحنين اليه والتغني والتغزل به لا شيء يمنع منها شرعا، اما الوطنية كرابطة بين الناس فهي مخالفة لحكم الشرع اشد المخالفة، فان يحب الانسان وطنه-أي مسقط راسه الذي ولد وعاش وترعرع فيه ، فامر غريزي، فطر الله الناس عليه حين خلقهم ،فمن الطبيعي ان يحب الانسان مسقط راسه ،وان يراه اجمل الاوطان ،لاسيما ان كانت ذكرياته فيه جميلة .
أما” الرابطة الوطنية” التي يروج لها مثقفو البلاط وكتاب السلطة، فهي التي يريدون لها أن تكون رابطة تجمع سكان الدولة الواحدة و تفصلهم عن سائر إخوانهم في سائر العالم الاسلامي. لذلك نقول: إن الدعوة إلى الوطنية- ومثلها القومية والطائفية- هي ترويج للفكر الغربي الغريب عن الاسلام.
والرسول صلى الله عليه و سلم يقول: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”. فالداعي إليهما آثم عند الله تعالى. والواجب يحتم على المسلمين أن ينبذوا كل الأفكار والأطروحات الدخيلة ، ويعودوا من جديد إلى إحياء الرابطة الاسلامية لإقامة مجتمعهم على أساس العقيدة الاسلامية ، لتسوده أفكار الاسلام و مشاعره وأنظمته ، حتى تستأنف الأمة حياتها الاسلامية من جديد و تعود أرقى أمم العالم.
إن الغاية من هذه السلسلة هي التصدي لهذه الهجمة الشرسة والتصدي لهذه الابقار المقدسة ببيان زيفها وضلالها بل وذبحها بالدليل والبرهان حتى تسقط قدسيتها وهيبتها بين ابناء المسلمين وتعود ثقتهم بدينهم العظيم ، وعليه فاني انقل لكم هذا المقال للأخ أبو حامد الشاكر من مجلة منهاج النبوة العدد الرابع تحت عنوان الرابطة الوطنية للفائدة ولقد جاء فيه .

“ظلَّت الأمةُ الإسلامية قروناً طويلةً وهي عزيزةٌ منيعةٌ، تتصدرُ قيادةَ الشعوب والأممِ طالما بقيت متمسكةً بكتاب ربِّها، منفذةً لأحكامه عاملةً بسنة رسوله؛ فلمَّا هجرت العملَ بالقرآن وانحرفت عن السنة، انتشرَ الفسادُ وشاع الخلافُ فضَعُفت الأمةُ وذلَّت؛ وقد تمَّ ذلك بمكائد الكفارِ وتضليلهم وتقاعس المسلمين وتقصيرهم، حيثُ عاشوا منذ منتصف القرن الماضي في مرحلةٍ مشاعريةٍ كاسحةٍ وظلُّوا غارقينَ في دوامة من الألفاظ الطنَّانة، وهم يردِّدون بحماسٍ كلماتِ الوطنية والقومية والتحرر ومحاربة الاستعمار، دون أن يكون لها واقعٌ ودون أن يكون لها معنىً جوهري.
فالوطنيةُ لا تملك أفكاراً ولا أنظمةً، وكلُّ الذي تملكهُ عاطفةُ الانتساب للوطن والتعصُّبُ للوطن، وهي رابطةٌ تفرّقُ ولا تجمع، ولم يرِد لكلمة الوطنية في القرآن الكريم ولافي السنة النبوية أيُّ مدلولٍ أو معنى أو مغزى أو حتى منبع، ولم ترد حتى في كلام الصحابة ولافي كلام كبار علماء الأمة.
فالوطنُ “لغةً”: كلُّ مكان قامَ به الإنسانُ لأمرٍ، فكلُّ مكانٍ قام به الإنسانُ لأمرٍ فهو موطنٌ له “أوطنَ فلانٌ أرضَ كذا أي اتخَّذها محلاً ومسكناً يقيمُ فيها”. فالوطنُ ليس هو إلَّا محلُ إقامة الإنسان سواءً أكانت إقامةً دائمةً أو مؤقتة، فالذي يسافرُ فترةً لبلدٍ آخر فإنَّه يتخذهُ وطناً أي مسكناً ومقاماً ولو مؤقتاً, وتوطينُ النفس على شيءٍ هو تعويدها عليه، والموطنُ هو المشهدُ من مشاهد الحرب، قال تعالى: ” لقد نصركم الله في مواطن كثيرة “. ولم يكنْ عند المسلمين قبلَ هدمِ خلافتهم أيُّ معنى لكلمة الوطن غيَر هذا المعنى، ومفهومُ الوطنِ كونُه بلداً ترتبطُ فيه جماعةٌ من الناس، وتتفقُ أن تلتزمَ بسيادة الوطن، وإطاعةِ الحاكم وما يتبعهُ من أجهزةٍ حكومية, هو مفهومٌ أوروبي وقد ظهرَ بعد المعركة الدامية بين الفلاسفة ورجال الكنيسة للحدِّ من تدخلِ الكنيسة في الحياة العامة في المجتمعات الأوروبية فعندها تنادى المفكرون إلى ضرورةِ وضعِ أسسٍ جديدة تربطُ بين الناس لا على أساس الدين والمذاهب التي أدَّت إلى سفك الدماء وإنَّما على الولاء للوطن وقد تُوِّجَت هذه الأحداثُ بتكريس مفهوم “فصل الدين عن الحياة” وهو أساسُ الفكرِ العلماني الديمقراطي والعقيدة العلمانية الديمقراطية التي تقومُ على إنكار دور الدين والخالق في تصريف شؤونِ المجتمع. وهكذا فعندما ذهبت دولةُ الإسلام وتغلغلَ الاستعمارُ في بلاد المسلمين وَرَدَت إلينا فكرةُ الوطنية لتكريسِ كياناتٍ أقامها الكافرُ المستعمر في بلادنا بعد أن قسَّمها إلى دويلاتٍ هزيلة حسب اتفاق سايكس بيكو وعلى مزاج غورو.
إذاً ففكرةُ الوطنية جزءٌ لا يتجزأُ من المؤامرات الغربية لتكريس تجزئةِ المسلمين على سوريا ولبنان والعراق وليبيا… وقد تجَلَّت هذه الفكرةُ العَفِنَةُ بشعاراتٍ وعباراتٍ وإعلاناتٍ تُصدّعُ رؤوسنا: “مصر للمصريين”، “لبنان أولاً”، “نفط السعودية للسعودية”، “القضية الفلسطينية شأن فلسطيني”، “شلال الدم السوري شأن داخلي”، فكيف لنا أن نرضى بالوطنية ونقولَ بأنَّها أمرٌ واقع، وهي داءٌ خبيثٌ يَفُتُّ في عضدِ الأمةِ الإسلاميةِ الواحدةِ، قال تعالى: ” إنَّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ”
وقد وردَ أنَّ قائدنا محمداً لم يعتبر مكةَ وطناً له، فقد اعتبرها محلَّ سفرٍ وقصرَ فيها الصلاة، وهو القائل: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، ويُخطئ كثيٌر من دعاة الوطنية عندما يَستدِلٌّون على ذلك باجتزاءٍ من حديثه عند خروجِه من مكةَ: “أنتِ أحبُ بلاد الله إلي ولولا أنَّ المشركين أخرجوني لم أخرج منك”، فقد روى ابن عباس أنَّ النبي لـمَّـا خرج من مكة قال: “أنتِ أحبُ بلاد الله إلى الله وأنتِ أحبُ بلاد الله إلي، ولولا أنَّ المشركين أخرجوني لم أخرج منك” فهو صلى الله عليه وسلم كان يحب مكة لأنها أحبُ البلاد إلى الله ، وأمَّا من يدَّعي بأنَّ الإسلامَ أمَر بالدفاع عن الأوطان واعتبَر ذلك جهاداً في سبيل الله فهذا فيه الكثيُر من التدليس والتضليل، فإسلامُنا لم يأمر بالدفاع عن “الوطن” وإنَّما أمرَ بالدفاع عن البلاد الإسلامية بغضّ النَّظر عن كونها وطناً للمجاهد أو غيَر ذلك؛ وعلى هذا الأساس فتحريرُ البلاد الإسلامية المغتصبة والذَّودُ عن المسلمين المستضعفين وتخليصهم من الطغاة المجرمين لا يُناط بأهل تلك البلاد طالما لا يستطيعون ذلك وحدَهم، وإنما يُناط الواجبُ بكل المسلمين في كل بقاع الدنيا؛ فديننا واحدٌ وأمتنا واحدةٌ وقائدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو القائل: “من قاتل تحت راية عُمْيَةٍ؛ يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتلته جاهلية”
وهو صلى الله عليه وسلم لم يتمسك بتراب “وطنه” مكة؛ وكان يستطيعُ ذلك بعد الفتح، ولكنَّه رجع إلى المدينة عاصمة الدولة الإسلامية وأقام فيها حتى وفاته صلى الله عليه وسلم ولم يوصي بدفن جثمانه الطاهر في تراب “الوطن” مكة المكرمة؛ وكذلك أصحابُه من بعده، ولقد وصلَ الأمرُ ببعض دعاة الوطنية إلى افتراء الأحاديث على رسول الله كقولهم: “حب الوطن من الإيمان” فهذا ليس بحديث ولم يَقُلهُ صلى الله عليه وسلم.
ثمَّ إنَّ حُبَّ الوطن شيءٌ و”الوطنية” شيءٌ آخرَ، فَحُبُّ الوطن “مكان الإقامة” شيء طبيعي غريزي لدى الإنسان، فقلبُه يتعلقُ بالمكان الذي اعتادَ عليه وترعرع فيه ولَهُ فيه ذكرياتٌ جميلة، إلا أنَّ هذا الحب الغريزي لا يتعدى القريةَ أو المدينة أو المنطقة التي عاش فيها الإنسان فأنَّى لابن درعا أن يُحِبَّ ويَحِنَّ ويشتاقَ للقامشلي أكثر من طرابلس أو الرمثا لأنَّه سوري وتلك لبنانية والأخرى أردنية ــ وكلها بقاع إسلامية عزيزة ــ فما هذه الرابطةُ الهابطةُ التي تُرَوّجُ لفكرٍ غربيٍ غريبٍ، وجبَ علينا ردُّهُ لأهله وتخليصُ أمتنا منه قال صلى الله عليه وسلم : “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” فواجبٌ على كلِّ المسلمين اليوم نبذُ كل الأفكار والمفاهيم الدخيلة والعودة الحميدة إلى الإسلام وإلى الرابطة الإسلامية الراقية الفريدة لإقامة مجتمعهم على أساس العقيدة الإسلامية، وليُجددوا عهدهم ويُرضوا رَّبهم بإقامة دولتهم الواحدة التي فيها عزُّهم ومجدُهم ونصرُهم على عدوهم.”
انتهى

فالأصل ان تكون رابطة العقيدة هي الرابطة التي تربط بين المسلمين، فقد حرص الإسلام على هدم كل الروابط والعلاقات، لتحل محلها رابطة العقيدة الإسلامية، فالإسلام لم يقر الترابط على أساس العائلة أو القبيلة أو الجنس أو المكان، بل حرم ذلك أشد التحريم، فعن جَابِر بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا فِي غَزَاةٍ قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً فِي جَيْشٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ. رواه البخاري.
وعلينا أن ندرك بأنَّ إسلامنا واحد شرعه لنا الله عز وجل وألزمنا التقيد به وخلافُ ذلك سنبقى في خلافٍ وشقاقٍ وتيهٍ وغضبٍ من الله جل جلاله وحجبٍ لنصره عنا، قال سبحانه وتعالى: ” فإن ءامنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم “.

اخوكم
خالد عقاد

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة : ,

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com