اليوم الثلاثاء 30 مايو 2017 - 8:16 صباحًا
أخر تحديث : السبت 21 ديسمبر 2013 - 8:12 صباحًا

ومضات من زمن فات …إلى ما هو آت (4)


 في زمن التقدّم والسّرعة , في زمن فيه ما فيه من الأفكار والمبادئ والحركات والأحزاب  كل يدّعي أنه على صواب , تقفُ أنت أيها المخطوبُ وُدّه , تحتال لنفسك بنفسك , وتأخذ من تجارب غيرك , لتخرج من طور البداءة إلى طور الحداثة , ومن حيّز الإستكانة والخمول إلى حيّز التفاعل والنضوج , مُحتار بين هذا وذاك , لا تدرك أنك في حظيرة كبيرة , ظاهرها  مدنيّة مُدّعاة  , عدلٌ وحقوق إنسان وحياة , وباطنُها بضاعة مُزجاة (فاسدة)… , يأتي دعاة الاشتراكية والشيوعية فيأخذون منها جمعا من الناس , ويأتي دُعاة الديمقراطية والرأس مالية  فيأخذون منها جمعا آخر .. , أُممٌ تنقاد كانقيادك , وتلتجمُ لجاما كلجامك .. , تدور الأيام والسنين  لتكشف من أمرها بعد فوات أوان ,ما غاب عنك حينها  أنها لا تصلُح  بها حياة .. , فُتاتُ عقول أنتجت تقدّما , تطوّرا ونهضة صناعية , لكنّها شوّهت فيك أعزّ ما فيك , أنّك إنسانٌ…

    تمضي السنينُ ونسأل : ما مصيُر اولئك الذين انقادوا لمبادئ وأفكار أورثتهم العمى فضلّوا الطريق ؟! ما مصيرُ أهل الوطنيّة والقوميّة والجنسيّة والهويّة ؟ هل أورثتكم نصرا وفخارا  وعزّة وكرامة ؟ أم ذلا ومهانة وصَغار؟ .. يا للعار ,” كنتم خير أمة أخرجت للناس” , فانحزتم عنها لغيرها, حاربتموها واستبدلتم رايتها بأعلام  الوطنية والجنسيّة والهوية ,  ثورة عربيّة كبرى , الأردن أوّلا ,غزّة وأريحا أوّلا , أمّة عربيّة واحدة ذات رسالة خالدة , السّعوَدَة,  ربيعٌ عربيّ  .. الخ , .. ماذا بعدُ أيها المارّون على جسد الأمّة ؟ حُطامُكم أبدا لا يُكنس بالمكانس , ولا تستطيعه الكهربائية منها وإنّما ..  يُداس بأقدام المرابطين! .. نعم المرابطين .., ولو بعد حين…

   وبينما جيش المسلمين من أهل الأندلس والمرابطين يشحذون سيوفهم لقتال ألفوانسو السادس ملك قشتالة وجيشه , تأتي رسالة من المغرب فيها نعي ابن أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن تاشفين .. , لكنه رحمه الله ما ثناه ذلك عن الجهاد وكان بإمكانه أن يعطي القيادة من ينوب عنه , فضّل أن يبقى يجاهد بنفسه وأرسل مكانه أحد قادة المرابطين هو داوود بن عائشة , ويبيت ليلته وهو على تعبئة تحسّبا لأي غدر, يبيت بين جنده من المرابطين والأندلسيين .., وكان في الجيش شيخٌ من شيوخ قُرطبة اسمه ابن رُميلة , يرى في تلك الليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول له يُبشّره” يا ابن رُميلة, إنكم منصورون وإنّك ملاقينا  “, بُشرى حق لأن الشيطان لا يتمثّل صورة النبي صلى الله عليه وسلّم , وهي بٌشرى لابن رُميلة أنه سيستشهد في المعركة .., ويستيقظ بن رُميلة ويطير من فوره إلى يوسف بن تاشفين وباقي الأمراء ويخبرهم بها , وهكذا يصل خبر الرؤيا  الجيش كلّه , وكيف لجيش يبشّره الرسول صلى الله عليه وسلُم أن ينام , شعروا بسعادة عجيبة ونشاط غريب لم يعرفوه من قبل لسنوات طويلة دفعوا فيها الجزية لألفوانسو , ويأمر يوسف بن تاشفين من فوره الجيش بأن يقرؤوا سورة الأنفال , ويأمر الخُطباء بتحفيز الناس على القتال , ويمرّ بنفسه على فصائل الجيش يقول لهم ” طوبى لمن أحرز الشهادة , ومن بقي له الأجر والغنيمة” , ويُرتّب جيشه , ويصلّون الفجر, وبعد الفجر يغدر الفوانسوا السادس , كطبيعتهم وهذا ليس مخالفا لعهودهم بل هذا هو الأصل الذي يجب أن نعلمه فيهم , هاجمهم جيش ألفوانسو فوجدهم بانتظاره على تعبئة , ولم يكن الهجوم بالجيش كلّه بل بقي الفوانسو مع أبطاله وفرسانه وإنّما جرّد إليهم وحدات من جيشه الجرار , فوقف لهم ابن عبّاد بمن معه من الأندلسيين , ودارت حرب تشيب لها المفارق , أبلى فيها ابن عباد بلاء خالد والمثنّى , وقُتل تحته ثلاثة أفراس , ويستمر ألفوانسو يبعث بوحدات جيشه تباعا وابن عباد ثابت بجيشه ينظر من بعيد إلى بعض أمراء الأندلس وقد أغمدوا سيوفهم مُنسحبين من المعركة , كل هذا وابن تاشفين ينتظر أن يتقدّم  الفوانسو بمن معه , إذ ليس من الحكمة إظهار نفسه للعدوّ قبل أن يُطل العدوّ برأسه بينما لا زال يقاتلُ بذنبه, وهكذا إلى العصر , يخرج ألفوانسو بمن معه من رجال ليُجهزوا على ابن عباد وجيشه , عندها هجم بن تاشفين ومن معه على معسكر الفوانسوا وقتلوا من هناك من حراس وحرقوا الخيام ّوالتفّوا على جيش ألفوانسوا , وفي ساعة واحدة قتلوا من جيشه عشرة آلاف , لكنّ عدوّ الله ما زال وجنوده يُقاتلون بشراسة , وما زال الفرق في العدد بيّن , وقبل مغيب شمس يوم الخميس الموافق 23 اكتوبر عام 1086م  (رجب 479للهجرة), يشير ابن تاشفين لوحدته الخاصّة من السودان الأشداء ذوي الرماح الطويلة والسيوف الهندية  بالهجوم , فيهجمون بجمالهم المبرقعة ( مغطاة رؤوسها بأخمرة سوداء ) , فتهرب أمامها خيول القشتاليين وتتشتّت جموعهم , ويُعمل السودان فيهم رماحهم وسيوفهم فيستأصلون شأفتهم حتى أن أحدهم ضرب رجل الفوانسو فقطعها … , وينهزم القشتاليون ومن معهم يحملون الفوانسو برجل واحدة , خرجوا من قشتالة ستون ألف قاتل , لم يعد منهم سوى مئة أو أقل  وما منهم إلا جريح .. .

 ويُطلق المسلمون على منطقة ساكر الياس اسم الزّلّاقة لكثرة الدماء التي كانت تنزلق بسببها الخيل , وكان عُمر يوسف ابن تاشفين حينها 79 عاما, يُلقي بنفسه في ساحات الوغى لا يدّخرها لدنيا فانية , ولا خلاعة غانية , يروم الشهادة يبتغيها ولو كان فيها ذهاب ملك او سلطان   رحمه الله  , وتبقى الأندلس بأيدي المسلمين أربعة قرون أخرى , حتى إذا سلك الخلافة انتثر , وذهب العين جميعا والأثر , قام بكل بقعة مليك وصاح  فوق كل غصن ديك , ولا حول ولا قوّة إلا بالله .. .

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع