اليوم الخميس 22 نوفمبر 2018 - 10:43 صباحًا
أخر تحديث : الثلاثاء 24 ديسمبر 2013 - 10:57 صباحًا

العز الذي لا يفنى!!!

العزة هى القوة والغلبة، وهى ضد الذل الذى يعنى الضعف والمهانة. والعزيز من الأشياء صعبة المنال، ومن الناس القوى القادر الذى لا يغلب. والعزة: حالة مانعة للإنسان من أن يغلب، وهي إحساسٌ يملأ القلب والنفس بالإباء والشموخ والاستعلاء والارتفاع.
وفى الحقيقة ليس فى الوجود عزيز غير الله، لأن عزته ذاتية، غير معلولة ولا مستمدة من غيره، أما الانسان فعزته، ومنعته، وقوته، معلولة ومستمدة من الغير ممن يراه قادرا على نصرته، فهناك من يرى عزته وقوته فى المال والتكثر منه، وهناك من يراها فى كثرة الأولاد، والحشم والأتباع، ومن يراها فى الجاه والمناصب، أو فى صحبة ذوى النفوذ من الحكام والوجهاء أو ذوى الأقلام وغيرهم، قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. والعاقل هو الذى يستمد عزته من خالق كل هؤلاء، وهو الله عز وجل مباشرة بدون واسطة الا اتباعه لمنهجه عز وجل الذى جاء على لسان رسوله الكريم، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ).
فمن استعز بغير الله ذل، إذ يكفيه من الذل اذا كان عزه بمنصب، خوفه من زواله، أو كان بإنسان، خشية موته، أو بمال توجس فقده، فكل ما عدا الله زائل وفان، والله وحده هو الباقى والحى الذى لايموت، وصدق الشاعر الحكيم حينما قال:
ليكن بربِّك كلُّ عزك يستقر ويثبتُ — فإن اعتزَزْتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزّكَ َميّتُ
قال ابن عطاء الله السكندرى فى حكمه: إذا أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى. والعز الذى لا يفنى هو الغنى عن الأسباب كلها بوجود مسببها، أما الغنى بالأسباب مع الغيبة عن مسببها فذلك هو العز الذى يفنى.
يحكى أن رجلاً أمر بالمعروف لهارون الرشيد، فغضب عليه هارون فأمر أن يربطوه مع بغلة عنده سيئة الخلق، لتقتله برَمحها، ففعلوا، فلم تضره، فقال: اطرحوه فى بيت وطيِّنوا عليه الباب، ففعلوا ذلك، فرئي فى بستان، وباب البيت مسدوداً، فأُخبر الرشيد بذلك، فأتي بالرجل، فقال: من أخرجك من البيت؟! فقال: الذى أدخلنى البستان.. فقال: ومن أدخلك البستان؟! فقال: الذى أخرجنى من البيت! فقال الرشيد: أركبوه دابة وطوفوا به فى المدينة، وليقل قائل: ألا إن هارون الرشيد أراد أن يذل عبداً أعزه الله، فلم يقدر!!
وكما تكون العزة خلقاً كريما ًووصفاً حميداً إذا قامت على الحق والعدل واستمدها صاحبها من حمى ربه لا من سواه: “أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً “… تكون العزة الكاذبة أو الضالة خلقاً ذميماً حين تقوم على البغي والفساد ومن ذلك النوع قول الله تعالى: “بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ”، فعزة الكافرين تَعزُّزٌ كاذبٌ، ولذلك قيل: “كل عزٍّ ليس بالله فهو ذل”، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى عن بعض الضالين: “وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ”، والعزة هنا مستعارة للحمية الجاهلية والأنفة الذميمة، ومن ذلك أيضا قوله تعالى: “وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً” أي يحاولون التَّمنُعَ به من العذاب وهيهات هيهات.
رحم الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين أراد أن يوطد في نفس أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قواعد العزة عندما أرغمه بعض حكام عصره على شدة تعرض لها فقال: “يا أبا ذر رضي الله عنه إنك غضبت لله فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب بما خفتهم عليم، فما أحوجهم إلى ما منعته وما أغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غداً والأكثر حسداً ولو أن السماوات والأرض كانتا على عبدٍ رتقاً ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً. لا يؤنسنك إلا الحق ولا يوحشنك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم أحبوك ولو قرضت منها أمنوك “. أي: لو ذللت ونلت من متاع الدنيا لما خافوك!
فالعزة الشرعية الحق هي التي ترتبط بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيعتز المرء بدينه ويرتفع بنفسه عن مواضع المهانة، فهو لا يُريق ماء وجهه ولا يبذل عرضه فيما يدنسه، فيبقى موفور الكرامة، مرتاح الضمير، مرفوع الرأس، شامخ العرين، سالماً من ألم الهوان، متحرراً من رق الأهواء ومن ذل الطمع، لا يسير إلا وفق ما يمليه عليه إيمانه، والحق الذي يحمله ويدعو إليه. أما العزة المذمومة فهي العزة بكل ما سوى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من: نسب ووطن ومال وجاه وسلطان وآباء وأجداد وكثرة..، كل ذلك وغيره لا قيمة له ولا يغني عن صاحبه شيئا إن اتخذه مصدر عزة من دون الله عز وجل.
فيا دعاة الهوية والوطنية كسدت بضاعتكم والله، ويا أنصار العائلية والعصبية خاب سعيكم، ويا لاهثين وراء المال والمنصب والجاه بارت تجارتكم..، ألا تعلمون أن الله عز وجل هو المعز المذل؟ يعز من يشاء ويذل من يشاء؟ أتعتزون بالمظاهر والشعارات الكاذبة الفانية، وتنسون ربكم العزيز الباقي؟ إنه من لم يعزه الله فلا عز له ولو كان ملك الملوك وأغنى الأغنياء لأن ذل المعصية لا يفارقه أبدا، كما قال الحسن رحمه الله عن مثل هؤلاء: “إنهم وإن هملجت بهم البراذين، ووطئت أعقابهم الرجال (كناية عن علو المكانة بين الناس)، إن ذُلَّ المعاصي لا يفارق رقابهم يأبى الله إلا أن يذل من عصاه!
إن المسلمين إذا أرادوا يرجعوا إلى سابق عهدهم وقديم عزهم، فعليهم أن يرجعوا إلى دين ربهم، فقد جاء الإسلام والعرب أضعف أمم الأرض وأكثرها تخلفاً وتفرقاً وجهلاً… ولكنهم عندما اتبعوا دين الإسلام توحدوا بعد التفرق، واجتمعوا بعد التمزق، وتعلموا بعد الجهل حتى أصبحوا قادة الدنيا وسادتها، ومعلمي البشرية وساستها…
ثبت عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أنه لما فتح المسلمون قبرص وبكى أهلها وأظهروا من الحزن والذل ما أظهروا، جلس أبو الدرداء رضي الله عنه يبكي، فقال له جبير بن نفير: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال رضي الله عنه: (ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى) .
والحاصل: أن على كل مسلم مسئولية تحقيق العزة للمؤمنين بحسب قدرته، واستطاعته فيكون بنفسه قائماً بأمر الله تعالى، عاملاً بالإسلام والإيمان، ظاهراً وباطناً ناصحاً لإخوانه المسلمين، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، حتى تصلح أحوال المسلمين، أو يلقى الله على تلك الحال، وقد اتقاه حسب وسعه وقدرته.. نسأل الله أن يعزنا بطاعته ولا يذلنا بمعصيته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

قصة وعبرة:
لما استسلم أهل (إيلياء / القدس) للمسلمين، اشترطوا عليهم أنهم لن يسلموا مفاتيح القدس إلا لرجل تنطبق عليه مواصفات خاصة، اختلف فيها في كتب التاريخ، وقيل إنها لم تكن من طلبات أهل القدس، ولكن ذكرت مواصفات جسمية لرجل معين، وأن اسمه يتكون من ثلاثة حروف، فوجد المسلمون أن هذه المواصفات لا تنطبق إلا على الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
فجاء عمر رضي الله عنه، من المدينة المنورة ليتسلم مفاتيح القدس، واستخلف عليًّا رضي الله عنه على المسلمين في المدينة المنورة. (يرد في كتب التاريخ أنه استشار عثمان، وعليًّا، فأشار عليه عثمان بألا يذهب، وأشار عليه علي بأن يذهب، وأخذ برأي علي).
وهناك احتمال آخر، أن يكونوا قد أخذتهم العزة، ألا يسلموا تلك المدينة الحصينة، ذات القيمة العالية عندهم للجيش الإسلامي، فأحبوا أن يسلموها إلى أعلى قيادة في المسلمين، حتى يظل معلومًا أنها استعصت على جميع الجيوش الإسلامية، وبقيت حتى جاءها أمير المسلمين بنفسه، وتسلم مفاتيحها.
وهناك رأي (رواية ثالثة) تذكر أن أهل القدس لم يطلبوا مجيء عمر، ولكن أبا عبيدة لما رأى صعوبة فتحها أرسل إلى عمر، لكي يأتيه بمدد يعينهم. في كل الأحوال، فإن الثابت تاريخيًّا أن عمر جاء من المدينة المنورة لفتح القدس بنفسه.
وكانت الهيئة التي جاء بها عمر رضي الله عنه مختلَفًا فيها أيضًا، هناك رواية مشهورة جدًّا نعلمها جميعًا، على الرغم من أنها رواية ضعيفة، لا توجد حتى في تاريخ ابن كثير، تذكر هذه الرواية، أنه جاء هو وغلامه على دابة وحده (وهو أمر مُستغرَب، لأن الدولة الإسلامية كانت غنية جدًّا آنذاك، بعد فتح الفرس، وانتصارات المسلمين المتوالية في الشام)، وكانا يتناوبان الركوب على الدابة، حتى وصلا إلى أرض الشام، واقتربا من الجيش الإسلامي، ورآهم الجيش، وبعض أهل القدس، فاعترضتهم مخاضة (أي وحل)، وكان دور عمر في المشي، ودور الغلام في الركوب، فأَصَرَّ عمر على أن يمشي، ويترك الغلام راكبًا دابته، ودخل هذه المخاضة بقدميه، خالعًا نعله.
لما رأى سخرنيوس بطريرك القدس ذلك التصرف، قال: “إن دولتكم باقية على الدهر، وقال: فدولة الظلم ساعة، ودولة العدل إلى قيام الساعة”.
وهناك رواية أخرى تذكر أن أبا عبيدة بن الجراح لما رأى ذلك، ورآه يرتدي ملابس قديمة، فأسرع إليه، وقال له: يا عمر قد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا، وكذا، (وقال له: إنك دخلت البلد بهذه الهيئة الرَّثَّة، ومشيت على الوحل) وأن هذا لا يليق بوالي المسلمين.
فضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صدره، وقال له: ولو كان غيرك قالها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تبتغون العزة في غيره، أذلكم الله!!.
إذ لا يؤمن عمر بهذه المظاهر، والوجاهة الفارغة التي يهتم بها الروم، وإنما العزة لله وللمسلمين…

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com