اليوم الإثنين 18 يونيو 2018 - 2:00 مساءً
أخر تحديث : الثلاثاء 24 ديسمبر 2013 - 10:57 صباحًا

هل يمكن تجنب داء السكري (1)؟ د. حسام محاجنة

أتوجه الى زملائي الأطباء أن يشاركونا ببعض مساهماتهم حتى ننجح سوية في تقديم خدمة طيبة لأهلنا في هذا البلد)

في الحلقة الأولى من هذه الزاوية ارتأيت أن أتناول موضوع داء السكري من منظور قل الحديث عنه. عند الحديث عن هذا المريض يتبادر الى الأذهان أولائك الأشخاص الذين عانوا من هذا المرض سنين طوال وآل بهم هذا المرض الى عواقب شتى منها فقدان البصر والفشل الكلوي الى درجة الحاجة الى العلاج بالدياليزا وأوجاع القدمين وفي بعض الأحيان الوصول الى ضرورة بتر الساقين, هذا بالاضافة الى مساهمة المرض في تصلب الشرايين مما يؤدي الى الجلطات التاجية (التي تولد النوبات القلبية) أو الجلطات الدماغية. يجدر التنويه الى أن هذه العواقب ليست حتمية انما هي ذات علاقة مباشرة بطريقة تعاملنا مع المرض وبمدى حرصنا على تلقي العلاج النافع والمفيد لهذا المرض في مراحله المبكرة على وجه الخصوص. الا أنني, في هذه الحلقة أود تسليط الضوء على جانب شديد الأهمية وهو المرحلة السابقة للسكري.
لقد كان مرض السكري نادرًا في الأزمان الغابرة وقد لازم الطبقات الغنية في المجتمع التي اعتادت رفاهية العيش وما يترتب على ذلك من تناول أشهى المأكولات دون الحاجة الى الخروج للعمل ومزاولة أي نشاط بدني. ولذا فان أول وصف لهذه الحالة كان لدى المكلات والأميرات في عهد الامبراطورية الفرعونية. أما في هذه الأيام فقد بات هذا المرض شائعا اذ لا يكاد يخلو بيت والا وقد طرق هذا المرض بابه وليس عبثًا أن أطلقت المنظمة العالمية للسكري “لقب” وباء العصر على هذا الداء, فالاحصائيات المتوفرة تفيد أنه قد بلغ عدد مرضى السكري في العالم في عام 2011 347 مليون شخص ومن المتوقع أن يزيد هذا الرقم ب 55% في العام 2025. ويجدر التنويه في هذا السياق الى أن الارتفاع الحاد في نسبة انتشار المرض ستكون في الشرق الأوسط والهند ودول أمريكا الجنوبية. ففي الشرق الأوسط على سبيل المثال من المتوقع ازدياد حالات الاصابة بداء السكري بنسبة 81%.
عدا عن هذه الأرقام المقلقة فان جيل اكتشاف مرض السكري (النمط الثاني الناجم الى حد كبير عن السمنة وقلة مزاولة الرياضة) آخذ بالنقصان, بشكل خاص في مجتمعنا العربي فقد دلت دراسة حديثة أن العربي يصاب بمرض السكري 11 سنة قبل اليهودي في هذه البلاد.
من هنا كان ذكيا من قبل المنظمة العالمية للسكري عندما رأت هذه الأرقام أن تقوم باعداد احصائية تبين مدى انتشار حالة ما قبل السكري. وقبل أن أتطرق الى هذه الاحصائيات لا بد أن نعرف بايجاز ماهية مرض السكري وما المقصود بالمرحلة السابقة لهذا المرض.
السكري هو حالة ارتفاع في مستوى السكر في الدم النابعة عن قلة افراز الانسولين من غدة البنكرياس أو انخفاض في حساسية الاعضاء كالكبد والعضلات والأنسجة الدهنية للانسولين. في هذه الحلقة نتطرق بشكل خاص الى السكري الأكثر شيوعا وهو السكري النمط الثاني النابع بشكل خاص من انخفاض حساسية الأعضاء للانسولين والذي يؤدي في مراحل متأخرة الى انخفاض شديد في افراز الانسولين من البنكرياس وبالتالي الحاجة المطلقة الى التداوي بالانسولين.
مرحلة ما قبل السكري هي المرحلة التي بدأت فيها “صناعة” السكري في البدن ولكن لم يصل الأمر بعد الى ارتفاع ملحوظ في نسبة السكر في الدم. ينتمي الى هذه الفئة الأشخاص الذين تتراوح نسبة السكر لديهم في حالة الصيام بين 101 و 124 ملغم/ديسيلستر أو تتراوح نسبة الهيموجلوبين الغليكوزيلاتي (“السكر المخزن باللهجة الفحماوية”) بين 5.7% و 6.4%. يجدر التنويه والتأكيد الى أن البدن الموجود في هذه المرحلة لا يشتكي من أي أعراض تذكر ولا بد من مبادرة ذاتية للقيام بفحوصات دم بسيطة للكشف عن ذلك. لذا عزيزي القارئ, يجدر ألا يغرك الشعور بصحية جيدة, فمن أجل الاطمئنان على سلامتك التامة لا بد من المبادرة المبكرة لاجراء فحوصات تؤكد سلامة بدنك فعلا.
وقد يتساءل البعض: ما ضرورة اكتشاف وجودي في هذه المرحلة؟
لقد أثبتت الأبحاث أن مقابل كل شخصين مصابين بداء السكري هناك شخص ثالث مصاب بالمرض ولكن لم يتم تشخيصه بعد وهناك أكثر من شخص في مرحلة ما قبل السكري “مؤهلين” للالتحاق بركب المصابين بالسكري اذا لم يتخذوا الاجراءات اللازمة التي قد تقيهم المرض أو تؤجله أو تخفض من حدته وفي جميع هذه الأحوال نستطيع من تقليص حالات العاهات المستديمة التي قد يؤول اليها هذا المرض.
مما يدعو للقلق الشديد أن من بين الدول العشر الأولى التي تتصدر قائمة الدول ذات الانتشار الأعلى لحالة ما قبل السكري ثمة أربع دول عربية وما مجتمعنا العربي ببعيد عن هذه الاحصائية. ولهذا الأمر انعكاساته التي لن تتأخر كثيرًا والتي قد تتجلى بانتشار مفرط لهذا الوباء الذي بات السبب الثالث للوفاة في بلادنا بعد داء السرطان وأمراض القلب مع العلم أن مرض السكري يساهم أيضًا في زيادة خطورة الاصابة بالسرطان وأمراض القلب.
اذا كنت قد وصلت عزيزي القارئ الى قناعة بضرورة اكتشاف حالة ما قبل السكري فانك تتساءل على ما أظن, أي فرد منا عليه الذهاب الى الطبيب من أجل الخضوع لفحوص دم تكشف عن هذه الحالة؟ وهذا سؤال جدير بالاهتمام حتى نفلح باقناع الأشخاص الواقعين في دائرة الخطر على القيام بالفحوصات اللازمة.
هذه الفئة من الناس تشمل كل انسان بلغ من العمر 45 عامًا وكذلك كل انسان أصغر من ذلك اذا كان يعاني من احدى الحالات التالية: السمنة الزائدة, ارتفاع في ضغط الدم, ارتفاع في دهنيات الدم, وجود قريب عائلة من الدرجة الأولى عنده مرض السكري (ومن منا ليس لديه قريب عائلة كذلك؟), كل امرأة حامل عانت أثناء الحمل من ارتفاع السكر أو كان وزن المولود كبيرًا, غير الممارسين للرياضة (وما أكثرهم!).
لا بد لي أن أذكر في هذا السياق أنه لا بد من اجراء هذه الفحوصات مرة كل ثلاث سنوات على الأقل, فكثير من الناس توجهوا الي متفاجئين لاكتشاف مرض السكري لديهم مع مستوى عال جدا للسكر بالدم مع العلم ان مستوى السكر كان ضمن المجال المطلوب 5 سنوات قبل ذلك أو أكثر ولكن التلكؤ عن اجراء فحوصات دورية ساقتهم الى اكتشاف للسكري وقد بلغت نسبته مستويات عالية وفي بعض الأحيان يتزامن اكتساف السكري مع اكتشاف انعكاساته على العينين أو الكلى بسبب التأخر الشديد في اكتشاف المرض.
وهنا لا بد أن بتبادر الى الذهن السؤال الملح: هل يمكن تجنب داء السكري؟ والاجابة على هذا التساؤل تبعث على الأمل والتفاؤل. اننا نعلم يقينا أن الأشخاص الموجودين في مرحلة ما قبل السكري “مؤهلون” للانضمام الى قافلة مرضى السكري ولكن ذلك ليس بنتيجة حتمية. نعم, لا نستطيع تجنيب الجميع الاصابة بهذا الداء ولكن يمكن على الأقل تأخير المرض أو التخفيف من حدته عند ظهوره مما يمنع الآفات الناتجة عنه.
لأجل ذلك ينبغي علينا أن نتبع حمية غذائية سليمة تلبي حاجات الجسم دون افراط وأنصح في هذا المضمار كل مصاب بداء السكري أو كل معرض لذلك أن يتوجه الى أخصائيات التغذية في صندوق المرضى لتلقي التوصيات المناسبة وأن لا نتبنى المقولة الشائعة “أنا أعلم ما ينبغي علي أن أفعل” فكثير هم الناس الذين “نجحوا” في التخلص من الكيلوجرامات الزائدة في بدنهم وبالتالي تنظيم مستوى السكر في البدن ولكنك تراهم بعد سنين قليلة وقد تجاوز وزنهم ما كانوا عليه قبل البدء بالحمية الغذائية التي تبنوها لأنفسهم في بادئ الأمر.
ولا يقل أهمية عن الحمية الغذائية مزاولة النشاط البدني ولو نصف ساعة في اليوم فللأمر فوائد جمة في تنظيم السكر والتخفيض من ضغط الدم وتنظيم مستوى الدهنيات والتقليل من خطورة الاصابة بالنوبات القلبية والجلطات الدماغية.
وأخيرًا فان العقل السليم في الجسم السليم, فلنحرص جميعا على اتقاء الأمراض وتفاديها بما علمنا ربنا فالصحة هدية أنعم الله بها علينا فلا نضيعها بما صنعت أيدينا.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع