اليوم الخميس 22 نوفمبر 2018 - 10:22 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 26 ديسمبر 2013 - 3:06 مساءً

ومضات من زمن فات …إلى ما هو آت (5)

بسم الله الرحمن الرحيم
شتاءٌ بارد , يُلزمنا أن نلبس ما ثقُل من ملابس نقي به أنفسنا برد الشتاء , طبيعة نتقلّبُ معها ونتكيّفُ , ومن يخرج في برد كهذا في لباس خفيف قلنا مجنون وخشينا عليه المرض , لكننا لا نعي أننا عرايا ! في زمن أشدّ ما يكون عليه شتاء , وإن كنّا حريصون أن نقي أنفسنا وأهلنا شدّة هذا البرد , فكيف بنا ننظُرُ إليهم وهناك من يُعرّيهم حتى يُصابوا , بل ومنّا من يعتقدُ أنّ في عرائهم شفاء ! أقول كيف لأمة تتقلّبُ بين شتاء وصيف , ربيع وخريف , أن تُعرض عن وعي يلزمُها بكثرة كلام وقلّة عمل وانعدام بصيرة ؟ إنّ الحبوب التي لا تبذرُ لا تُنشئُ زرعا , والتي لا تُطحنُ لا يُصنعُ منها خُبزا يُشبع الناس .., يا أمّة جوعى على كثرة حُبوبها .. لكن من الذي يزرع ؟! وعليلة دوائُها بيدها .. لكنّها لا تسمع , .. سكن نفسي قول السموأل : وما قلّ من كانت بقاياه مثلنا —- شبابٌ تسامى للعُلى وكهولُ .. , قلت أرجع إلى تاريخنا علّ فيه ما يشفع , أو ما يُسمعُ أو يُسمع , وإليكم الحكاية , وبداية البداية , وقصّة المرابطين .. .
إنها موريتانيا … , حيث تعيش قبائل البربر المسلمة المنحدرة من قبيلة “صنهاجة ” , قبيلتي جُدالة ولمتونة , سنة 440 للهجرة تبدأ الأحداث بزعيم قبيلة جُدالة ” يحيى بن ابراهيم الجُدالي .. , يرى ما عليه حال الناس من تعاطي الخمور وتفشّي الزّنا وارتكاب المحرّمات وجهل بأمور الدين, وهو لا يقدر على أن يُغيّر ولا يملك العلم الشرعي ليقوم بذلك , كان رحمه الله ذو فطرة حسنة فأراد لقومه الخير , وفي طريق عودته من الحج عرّج على مدينة القيروان(في تونس) حاضرة العلم والعلماء , وقابل الشيخ العالم أبا عمران الفاسيّ شيخ المالكية هناك وشكى له الحال , فبعث معه رجلا وأيّ رجل ,هو الشيخ عبد الله بن ياسين رحمه الله , فيختار الصحراء وقيظها وشظفها على المدنيّة والحياة الوادعة في القيروان , ويبدأ مشوار الدّعوة هناك في جُدالة , لكنهم ّ رفضوا دعوته , رأوا فيه غريبا يريد أن يغيّر ما اعتادوه ,وضربوه , ولم يملك يحيى بن ابراهيم الجُدالي أن يفعل شيئا أمام صدودهم حتى بلغ بهم الأمر أن هدّدوا الشيخ ياسين بالقتل , وما لبثوا أن طردوه ,” بلادُك أولى بك يا شيخ ياسين , وفّر عليك الكلام وارحل عنّا وإلا قتلناك ” , عزّ عليه رحمه الله أن يتركهم على ما هم فيه من جهل ,عزّ عليه أن يموتوا وهم على ذلك , عزّ عليه أن يولد الأطفال ولا يجدون من يُعلمهم الإسلام وأمور الدين , بلغوا من فعل المعاصي أن يأتي الرجل حليلة جاره ولا يعترضه لأنّه يفعل الأمر ذاته , ويتزوّجون أكثر من اربع نساء ويشربون الخمر, ولا يتناهون عن مُنكر, ومع هذا يصلّون ويُزكّون ويقولون للشيخ ياسين نحن أعلم بالدّين منك ويُغرون به سفهاءهم , أدرك الشيخ أنّه لا مجال لدعوتهم وهو بينهم , وبعد تفكير هداه الله لأمر غاب عنه , أوغل رحمه الله في الصحراء الموريتانية من جنوبها حتى شمال بلاد السنغال وحيدا بين قبائل متوحشة , وعلى شاطئ نهر هناك في غابة ,نصب خيمته وبعث لُّجُدالة برسالة : ” من أراد منكم ان يتعلم الإسلام فأنا في مكان كذا وكذا” , وما هي إلا أيام حتى لحق به شباب منها صدعت قلوبهم للحق فلازموه بعد أن أدركوا مأمنهم من قومهم هناك, وتعلُموا الإسلام على يديه , علّمهم بصبر شديد , علّمهم العقيدة الصحيحة والفقه والحديث , علّمهم أن الإسلام دين ينتظم كل مناحي الحياة , علّمهم العبادة وحب الجهاد في سبيل الله , ولمّا ذاقوا حلاوة الدين عادوا لقومهم فجاءوا بأمثالهم من الشباب , وضاقت الخيمة فنصبوا خياما أخرى , وجعل على رأس كل مجموعة منهم أحد النابغين , يعلّمون بعضهم بعضا الإسلام وأمور الدين , والشيخ معهم وبين أظهرهم , وتدرّبوا على السّلاح وركوب الخيل وكان طعامهم ما يصطادونه من الغابات , وفي أربع سنوات يصل عددهم ألفا من الشباب المسلم العارف لدينه الملتزم به, المدرّب على الجهاد , عندها قال الشيخ بن ياسين : ” لن يُغلب ألف من قلّة ” .. , يعود بهم لجُدالة , يأمرون بالمعروف وينهون عن المُنكر ويعلّمون الناس الإسلام , ويزداد عددهم , وفي السنة الخامسة لدعوة بن ياسين حدث معهم ما قلب الموازين , جاءهم يحيى بن عمر اللمتوني زعيم قبيلة لمتونة وقد اقتنع بالفكرة , وفعل مع قومه ما فعله سعد بن معاذ رضي الله عنه , قال لهم ” إن كلام رجالكم ونسائكم وأطفالكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله” , ثم أتى بهم للشيخ بن ياسين فدخلوا معه في أمره , فأصبحوا يزيدون على سبعة آلاف رجل , ويموت يحيى بن عمر اللمتوني في ذات السنة ويتسلم مكانه الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني , ويأخذون في دعوة القبائل الأخرى , ويشاء الله أن يُقتل الشيخ عبد الله بن ياسين شهيدا في حرب مع إحدي القبائل في سنة 451 للهجرة , أي بعد إحدى عشرة سنة على دعوته, مُخلّفا وراءه اثني عشر ألف مقاتل على منهج صحيح من الإسلام , ليُشكّلوا نواة ما سمّي بدولة المرابطين .. , ويتسلم الراية الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني, فيأخذ من الجيش سبعة آلاف مقاتل ويغيب في مجاهل إفريقيا يدعوا للإسلام ويُسلّم الراية ليوسف بن تاشفين ويُؤمّرُه على من بقي منهم .. , وبعد عشر سنوات يعود الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني ليجد أن ابن تاشفين قد بنى مدينة مراكش , وفتح الله عليه المغرب العربي كله , ففعل أمرا قلّ مثيله , تنازل لإبن تاشفين عن الإماره وعاد لإفريقيا ليكمل دعوته هناك , وقد صار تعداد جيش المرابطين خمسمائة ألف مقاتل منهم مئة ألف فارس , قضوا على البدع , نشروا الإسلام في افريقيا , منعوا سقوط الأندلس ورفعوا راية الإسلام عاليا .. , المرابطين : دعوة بدأت برجل ,عرف كيف يزرع , كيف يربي , كيف يقود , ما ادّخر علمه لنفسه ولا لتلاميذه , نثر بذوره في صحراء قاحلة فاخضرّت , أكل من حصادها أهل الإسلام في الشرق والغرب , عاش حياته لله , ومات مجاهدا في سبيله .. , أقول : هي ليست النهاية , .. هي بداية البداية, .. لأن الإسلام حُجّة الله في الأرض .. , ولن تسقط لله حُجّة , .. وإن رفعت بالكفر دولٌ رأسها … ففي الإسلام أمثال ابن ياسين.. (رحمه الله ) .

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة : ,

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com