اليوم الخميس 15 نوفمبر 2018 - 10:08 مساءً
أخر تحديث : الأحد 29 ديسمبر 2013 - 8:38 صباحًا

إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها!! – رفاد غانم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
عَنْ ‏ثَوْبَانَ-رضي الله عنهَ- ‏:عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏أَنَّهُ قَالَ :لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ ‏‏ تِهَامَةَ ‏‏ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا.. قَالَ ‏ ‏ثَوْبَانُ:‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. قَالَ: “أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا”.
كثير ما يقولون في زماننا: هذا زمانٌ الوصول فيه إلى الحرام أسهل من غيره.. لكن الذي ينبغي أن يُقال: هذا زمانٌ القرب فيه من الله بترك الحرام أعظم من غيره!! إي والله! لقد عاصرنا زمانا القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، فيه فتن كقطع الليل المظلم، لا تنكشف فتنة حتى تتبعها أختُها..، فأين يذهب المسلم، ولمن يلجأ وبماذا يستعين؟ ليس لك أخي المسلم في زمان هذا حاله إلا أن تلجأ إلى الله وتستعين بالله، وليس بينك وبين سلامة الدارين إلا أن تتسلح بسلاح نافع ناجع فتاك اسمه: “مراقبة الله”!
والله أخي المسلم، لن تخطو إلى الأمام خطوة واحدة إذا خلا قلبك من مراقبة ربك، إذا نسيت أنه يسمعك ويراك ويعلم ما في نفسك! لا بد لك كي تشعر بحلاوة الإيمان -التي افتقدها الكثيرون- أن يتشرب قلبك وجوارحك هذا الخلق، وأن تترجمه واقعا عمليا على أرض الواقع.
قرأت مرة عن معلم كان يعلم تلميذه أن يقول ويردد دائما في ليله ونهاره: “الله معي الله شاهدي الله ناظر إلي”، فلما كبر الولد كان قد تشرب المعنى علما وعملا. من علم أن الله معه وشاهد عليه وناظر إليه لم يتجرأ على معاصيه ومحارمه، بل تجده حيث أمره الله، وتفتقده حيث نهاه، يعلم ويوقن أن الله أقرب من كل شيء يظنه قريبا!
ما أعظم وأقبح الجرأة على الله! ويزداد قبحها إذا كانت في خلوة وستر. ما الفائدة أن نكون أمام الناس من المصلين المحافظين الخاشعين المخبتين، أما إذا غبنا عن الناس مكرنا وتجرأنا واقترفنا وبارزنا ربنا بالمعاصي فلم نرج لله وقارا، ولم نستح من ربنا في الوقوع في المحرمات وانتهاك الأعراض، قال تعالى: “يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً”، أهذا هو حال المسلم؟ يعمل حسابا لكل الناس ولا يعمل أدنى حساب لرب الناس؟ يجعل ربه أهون الناظرين إليه؟
تذكر أخي المسلم أنك كلما طيبت خلوتك بينك وبين الله طيب الله ذكرك بين الناس، وطيب الله خلوتك في قبرك! تذكر أن ذنوب الخلوات ممحقة للحسنات ونسف للقربات، والأهم من ذلك أنها تنزع من قلبك حلاوة الإيمان ولذة الطاعة، ووالله لو كان عقاب هذه الذنوب ينحصر في سلب لذة الإيمان وحلاوته لكفى بها عقوبة. انتبه أخي المسلم، ذنوب الخلوات تجعلك غير مؤهل للقرب من ربك والتمتع بفتوحاته ونفحاته الإيمانية، لأنك آثرت القرب والخلوة بقمامة الدنيا واستبدلتها بالقرب من الله في الدنيا والآخرة.
تذكر أخي المسلم أن ذنوب الخلوات هي التي تهدم ذلك الجدار الحصين المنيع: جدار مراقبة الله عز وجل. يقول يقول ابن القيم رحمه الله: “يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته، وما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته، وقلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب”. يقول أحد من ابتلي بالنظر للحرام: سمعتُ خشخشةً في الباب، فبلغ قلبي حنجرتي، وانقطع نفَسي، فأغلقت جهازي، وفتحت الباب، فوجدتها هرَّة!!
أرأيت أخي المسلم، هذه الذنوب تنمي فيك الخوف من كل شيء إلا من الله، والاضطراب والجزع من كل شيء إلا من الله، إنها تجعلك تقدس المعصية تقديسا وتتخذها غاية وهدفا لا بد من تحصيله بكل الوسائل، ولو كانت على حساب سخط الله وغضبه، إنها تنسيك أن لك ربا يراك الآن، ويسمعك الآن، وقادر أن يميتك الآن… والله يعجز اللسان عن وصفها ووصف خطرها وفتكها بالإنسان، ولو سألت صاحبها الآن: ما بقي لك من ذنوبك ومعاصيك غير الألم والحسرة على ارتكابها؟!! وا أسفا على عبد استمتع بذنوبه واستلذ بمعاصيه ولم يذق مرارة الحرمان…
والله لو كانت القلوب سليمة لتقطعت ألما من الحرمان
ولكنها سكرى بحب حياتها الدنيا وسوف تفيق بعد زمان
لن أطيل عليك، لكن أنصحك وأنصح كل من ابتلي بذنب في خلوته، وتجرؤ على ربه في وحدته أن يسارع ويسابق إلى التوبة إلى ربه، هذه الذنوب خطرها عظيم وشرها مستطير، بل هي أحد أعظم أسباب سوء الخاتمة -رزقنا الله وإياكم حسن الخاتمة-، وكم من أناس كان ظاهرهم الصلاح ختم لهم بسوء عند الموت بسبب ذنوب لا يعلمها إلا الله عز وجل.
ثم اعلم أنك بتوبتك ورجوعك إلى الله تُهدي أمتك أجمل هدية، كم تعاني أمتنا اليوم بسبب معاصينا المتتابعة وسيئاتنا المتنوعة، اتقوا الله في أمتكم! لا تكونوا سوسا ينخر في جسدها، أو حجر عثرة يقف في طريق نصرها وتمكينها! قال الفضيل رحمه الله: “والله إن التوبة تفعل ما لا تفعل السيوف”، فسارعوا إليها وادحروا أعداءكم بلزومها… ثم لا تظنوا أن السلامة دائمة والراحة خالدة، سارعوا قبل يحال بينكم وبين التوبة، فتندمون حين لا ينفع الندم.
نسأل الله أن يرزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيما، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

قصة وعبرة
قال منصور بن عمار: كان لي صديق مسرف على نفسه ثم تاب، وكنت أراه كثيراً.. كنت أراه كثيراً من العباد والقوام والصوّام.. أراه كثير العبادة والتهجد ففقدته أياماً فقيل لي: هو مريض. فأتيت إلى داره فخرجت إليّ ابنته. فقالت: من تريد. قلت: قولي لأبيك فلان.. فاستأذنت لي ثم دخلت فوجدته في وسط الدار وهو مضطجع على فراشه وقد اسودّ وجهه، وأذرفت عيناه، وغلظت شفتاه. فقلت له وأنا خائف منه: يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله.. ففتح عينيه فنظر إلي بشدة ثم غشي عليه. فقلت له ثانياً: يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله.. ثم كررتها عليه ثالثاً, ففتح عينيه فقال: يا أخي منصور هذه كلمة قد حيل بيني وبينها.. هذه كلمة قد حيل بيني وبينها.. فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. ثم قلت له: يا أخي أين تلك الصلاة والصيام والتهجد والقيام؟!
فقال: كان ذلك لغير الله.. كان ذلك لغير الله.. وكانت توبتي كاذبة، إنما كنت أفعل ذلك ليقال عني وأُذكر به، وكنت أفعل ذلك رياء للناس، فإذا خلوت إلى نفسي أغلقت الأبواب وأرخيت الستور وشربت الخمور وبارزت ربي بالمعاصي.. ودمت على ذلك مدة فأصابني المرض وأشرفت على الهلاك، فقلت لابنتي هذه: ناوليني المصحف، فقلت بعد أن أخذت المصحف: اللهم بحق كلامك في هذا المصحف العظيم إلا ما شفيتني وفعت عني البلاء، وأنا أعاهدك أن لا أعود إلى ذنب أبداً.. ففرج الله عني.. ففرج الله عني.. فلما شفيت عدت إلى ما كنت عليه من اللهو واللذات وأنساني الشيطان العهد الذي بيني وبين ربي، فبقيت على ذلك مدة من الزمن فمرضت مرة ثانية أشرفت حينها على الهلاك والموت فأمرت أهلي فأخرجوني إلى وسط الدار كعادتي ثم دعوت بالمصحف وقرأت فيه ثم رفعته وقلت: اللهم بحرمة ما في هذا المصحف الكريم من كلامك إلاّ ما فرجت عني ورفعت عني البلاء، فاستجاب الله مني ورفع عني.. ثم عدت إلى ما كنت عليه من اللهو والضياع ما كأني عاهدت الله أن لا أعود.. فوقعت في هذا المرض الذي تراني فيه الآن فأمرت أهلي فأخرجوني إلى وسط الدار كما تراني ثم دعوت بالمصحف لأقرأ فيه فلم يتبين لي حرف واحد منه.. دعوت بالمصحف لأقرأ فيه فلم يتبين لي حرف واحد منه.. فعلمت ان الله سبحانه قد غضب علي فرفعت رأسي إلى السماء وقلت: اللهم فرج عني يا جبّار السماء والأرض.. اللهم فرج عني يا جبّار السماء والأرض.. فسمعت كأن هاتفاً يقول:
تتوب عن الذنوب إذا مرضت ***** وترجع للذنوب إذا برأت
فكم من كربة نجّاك منها ***** وكم كشف البلاء إذا بليت
أما تخشى بأن تأتي المنايا ***** وأنت على الخطايا قد لهوت
قال منصور بن عمار: فوالله ما خرجت من عنده إلا وعيني تسكب العبرات، فما وصلت الباب إلا وقيل لي إنه قد مات.. “وحيل بينهم وبين ما يشتهون”..

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com