اليوم الإثنين 16 يوليو 2018 - 3:35 مساءً
أخر تحديث : الأحد 29 ديسمبر 2013 - 8:38 صباحًا

إعلامنا المحلي الأصفر: أغنام ودجاج وتشويه للحقائق

قُتل العربيد، وولدت النعجة، ولقيت الدجاجة مصرعها، عناوين خطيرة وهامة للغاية، تتصدر وسائل إعلامنا المحلية من مواقع الكرتونية وصحف ومجلات من حين إلى آخر، وما يثير الدهشة والاستغراب هو حجم التعليقات أسفل الخبر وكثرتها، فهناك من يبدي استغرابه لمقتل دجاجة خلال تظاهرة في القدس، أو مصرع عربيد على يد صاحب احد المنازل في النقب أو الجليل، أو مولد نعجة جديدة في الناصرة وقد غمرت الفرحة سكان المنطقة، لمولود جديد رأى النور وفتح عيناه – ليعيش في الداخل الفلسطيني الذي يعاني شعبه جراء سياسات عنصرية ظالمة- ويذبح عند كبره.
تسويق السياسات الاسرائيلية
تلعب وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم دورا هامًا في تثقيف الشعوب والدفاع عن قضاياهم وحريتهم، وكشف معاناتهم، فنرى وسائل الإعلام العبرية وهي الأقرب علينا بفعل الواقع، تتجند صفًا واحدا للدفاع عن الشعب الإسرائيلي وحكومته والترويج لسياساتها والتغطية على عيبوها وما أكثرها، وكذا الإعلام الأمريكي الذي يروج لثقافة بلاده ولغتها، ويغزو العالم متاجرا بها.
الإعلام العربي بشكل عام يتسم بالضعف وقلة الحيلة، فهو إما إعلام تابع لأنظمة وحكومات تابعة متخاذلة، أو إعلام مستقل ضعيف لا تكاد رسائله تصل إلى نفر قليل من الناس، تحاربه الأنظمة، وقد تحجبه، كما علمتنا ديمقراطية النظام المصري، ولكن إعلامنا نحن مختلف، مختلف في كل شيء، في شكله وفي مضمونه، في حريته، وفي تبعيته.
قد نجد عذرا لوسائل الإعلام التابعة للدول العربية في تبعيتها وتخاذلها، فهي تابعة لأنظمة عربية، ولكن من الصعب أن نجد العذر ذاته لوسائل إعلامنا العربية في الداخل الفلسطيني، التي تروج للمؤسسة الاسرائيلية وتسوق أفكارها، وتصرف نظرها بشكل مقصود عن قضايا شعبنا ومعاناته، لتنقل أخبار الدجاج وتسلط الأضواء على طول العربيد ولونه، وتحتفل بمولد النعاج.
القصة الصحفية معدومة، التقارير الإنسانية والسياسة ممنوعة، لا وجود للتحليل ولا بعد النظر، تحجب الآراء الصائبة وعن المعاناة يصرف النظر، إعلام لا يراقب، لا يثقف، لا يوجه، ولا يسلط أضوائه على قضايا الشعب الذي من اجله أسس .
انعدام المهنية
كل ما يقوم به إعلامنا هو نقل الخبر، كما حصل لا شيء قبله ولا شيء بعده، بصورة صحافية بعيدة كل البعد عن مدارس الصحافة وقوانينها، فلا يُسأل أين، ولا لماذا، ويتجاهل ماذا، ومتى ومن، يبدأ بعنوان طويل ومقدمة عريضة، أو ينقل البيان كما وصل ” نسخ ولصق” دون تحريره.
ورغم أن القوانين الاسرائيلية تتيح حرية التعبير عن الرأي لكل عامل بمجال الإعلام، إلا أن الرقابة الذاتية أصبحت جزءا من تراثنا، -لسنا من الداعين إلى التسرع وكتابة أي شيء بهدف الكتابة فقط-، ولكن الرقابة أصبحت اكبر حجمًا من طبيعتها، أصبح الصحافي يخشى الكتابة والحصول على المعلومات الصحيحة، يكتفي بنقل ما شاهده على الأرض ونقله، لكن بسرعة تامة، عبر الهاتف أو المحمول، فالسباق بين مواقعنا محتدم على الصورة والنبأ.
في السابق كان يُطلب الصحافي لخبرته وثقافته وسعة افقه، فكانت وسائل الإعلام تتهافت على هؤلاء، تغريهم بمرتبات عالية، إلا أن الصحافي المطلوب عندنا هو من يملك السيارة لا الشهادة، هو الصحافي السريع، يخطف الخبر خطفًا ويكون أول الواصلين إلى منزل الميت ليأتي بصورته التي تُشوه بعناوين المواقع، يأخذها من شقيقه أو والده، دون حرج ولا مراعاة لحاله وعظيم مأساته ومحنته.
علاقات مشبوهة
وعلى الرغم من السرعة النادرة والعلاقات المميزة مع رجال الشاباك والشرطة – الشرطة تستعمل الصحفي والعربي خاصة كمُخبر ومصدر للمعلومات- ، إلا أن الراتب ضئيل، قد يزيد ويرتفع، ولكنه مرهون بسرعة الصحافي، فكلما سبق المواقع الاخرى بنقل الخبر والصور، زاد مرتبه، ولكنه لن يصل في أحسن الأحوال إلى نصف مرتب الصحافي في الإعلام العبري.
يُجوّع الإعلامي ضمن سياسة ممنهجة، راتبه قليل، ووقته ثمين، وذلك في مسعى لإجباره على نقل الأخبار بكمية هائلة، المهم أن تكثر الأخبار والصور،لا أهمية لفحواها حتى لو كانت حول طائر أو حيوان، أن تنقل بسرعة هذا متفق عليه، أن يبتعد على السياسة والخوض بما ليس له به علم هذا من الواجب الذي لا داع للتفاوض عليه أصلا.
هذه السياسة هي قاتلة الإبداع، كيف يبدع من يبذل وقته في الركض وراء حرائق المنازل وتصوير القرآن الذي لم تمسه النار، أو السيدة العذراء التي بقت على حالها بعد أن احرق المنزل بما فيه، كيف يبدع من يتلقى دراهم معدودة شهريًا، لا تكاد تكفيه وعائلته ولا تسد رمقه.
كيف يبدع من يشعر انه مراقب دائمًا، من يضطر إلى نسيان قضيته وقضية شعبه والتنازل عن مبادئه ورسالته، – لان وسيلة الإعلام التي تحت سقفها يعمل تجبره على صرف النظر، فكيف يحلل ويتعمق وينقل الحقيقة؟ – هذا ممنوع بحكم قوانين صحافتنا ومدارسها، التي تعلّم الخضوع والخنوع مقابل الحصول على إعلانات تجارية تدر عليها الأموال والإرباح من المؤسسات الحكومية الاسرائيلية .
سلاح ذو حدين
تعلمنا أن الصحافة سلاح ذو حدين، فإما تدافع وسائل الإعلام عن قضايانا وتفضح معاناتنا، أو تنقلب ضدنا، وتصرف النظر عن هذا الشعب، فلا نجدها تدافع عنه في وجه موجات العنصرية ولا التحريض الذي مصدره الحكومة والإعلام العبري.
الصحافة رسالة، يسأل صحابها أمام الله، هو علم مطلوب، سلاح للدفاع عن النفس بوجه الظلم، ولكن الأيام كانت كفيلة بتغيير حالنا، فنسينا واجبنا وأهملنا به، وبات كل همنا جني الأرباح والأموال .
من الواجب أن ندق ناقوس الخطر، نتخلص من قيود وسائل الإعلام المُتحكمة بهذا الشعب، لا تعرف شيئًا من مدارس الصحافة سوى عنصر الإلهاء والتسلية، تنحاز إلى الحكومة الاسرائيلية ضد مصالح الأمة.
تشويه الحقائق
وكانت تجربتنا خلال زيارة المأفون مارزل إلى أم الفحم، كفيلة بان نفهم دور وسائل الإعلام العربية في بلادنا ونعيها جيدا، فبدلا من الدفاع عن أهالي المدينة الذين استهدفوا بعشرات القنابل والرصاص المعدني، انحازت إلى بيانات الشرطة والمخابرات ونقلت صورة مخالفة لما تم على ارض الواقع.
فان تنقل خبرا مفاده أن الشبان العرب هم من هاجموا الشرطة المدججة بالسلاح وأنت تعلم أنها كذبة فتلك مصيبة، وان تنقلها وأنت لا تعلم فتلك أعظم، لان الصحافي الذي ينقل الأخبار التي لا يعلم درجة صحتها وخطورتها دون أن يعلم هو أشبه بالببغاء التي تردد دون أن تعقل، فمكانه في النهاية في القفص لا في ارض المعركة.
الموضوع بحاجة إلى تمحيص وبحث أكثر من ذلك، فلم نتطرق بعد إلى عنصر اللعب في الجمل والكلمات والأفعال، فكانت حرب غزة أواخر عام 2008 وبداية عام 2009 وما تم خلاها من تلاعب في الكلمات في الإعلام العربي أكثر منه في الإعلام العبري، كأن نقول ” إن إسرائيل ترد على الصواريخ”، وكأن الفلسطينيين هم من يشعلون الحرب، لهو تضليل وتلاعب خطير، يجب أن نقف عنده، إلى غير ذلك من مظاهر الفشل والعدوانية التي رصدناها على صفحات مواقعنا وأوراق صحفنا.
وليست كل وسائلنا كذلك، إنما دار حديثنا حول المُتحكمين بوسائل الإعلام من المواقع والصحف الكبيرة المعروفة، وبعض المواقع المحلية الصغيرة التي سارت على دربها، ونؤكد هنا على أهمية بعض المواقع الحزبية التي تسعى جاهدة إلى تصحيح الخط الإعلامي، ولكن صوتها ما زال ضعيفًا نتيجة لعدم اعتمادها على إغراءات، وغيرها من سبل جذب الجيل الشاب.
ثم نطرح سؤال في ختام المقال الذي لم يتسع إلى كل العيوب، ” لماذا لا نجد صحيفة عربية واحدة تعد مصدرا لأخبار هذا الشعب وما يُتخذ ضده من إجراءات، صحيفة تتحدث بلسان حالنا أمام العالم، تنقل أخبارها عبر وسائل الإعلام الضخمة، كباقي الصحف في الدول العربية، ومثل الصحف العبرية التي تتصدر أخبارها العناوين دائمًا؟”، أظن أن الإجابة باتت معروفة.

حول الكاتب معاذ الخطيب
ناشط طلابي وسياسي وفي مجال حقوق الانسان، وناقد اعلامي واجتماعي؛ رئيس سابق للجنة الطلاب العرب بجامعة حيفا؛ مُترجِم ومدقق لغوي ومدرّس لغة عربية لطلاب أجانب، وطالب لقب ثان في اللسانيات والفلسلفة البلاغية.
يدوّن في نقد الطفرات الاجتماعية والسلوكيات المستوردة، وفي نقد الاعلام العربي الفلسطيني، والسينما، والشؤون والتيارات السياسية خاصة الناشطة في فلسطين المحتلة عام 48.
ان احببت الاطلاع على سيرتي الذاتية هنا، ويسعدني التواصل معكم عبر القنوات أدناه.
body-only-trans-bg-2

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :