اليوم الجمعة 20 يوليو 2018 - 3:32 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 13 يناير 2014 - 8:55 صباحًا

الالتزام الأجوف – رفاد غانم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
إن من بشائر الخير في مجتمعنا المسلم أن نرى هذه الجموع المباركة تلتزم بأمر ربها، وتعض بالنواجذ على سنة نبيها ، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.. لكن ظهر بل انتشر نوع خطير من الالتزام عند فئة كبيرة من الناس، إنه الالتزام الأجوف الذي لا روح فيه، الالتزام الذي ظاهره الاستقامة لكنه من الداخل خواء، الالتزام الذي لا يردع صاحبه عن التفريط في الطاعات، والانغماس في المحرمات، والتمادي في تضييع الحقوق والواجبات..
إن أرباب هذا الالتزام قد يشكلون خطرا بالغا على المجتمع أكثر من غير الملتزمين! لأنهم يعرضون للناس صورة مشوهة للالتزام، متمثلا ببعض الشعائر التعبدية الظاهرة، لا تستغرب إذا رأيتهم يصلون في المساجد، ويصومون النوافل، ويخرجون الصدقات، وربما حجوا واعتمروا، ولهم نصيب من قراءة القرءان… لكن التزامهم لا يتعدى هذه الشعائر والأركان، إن بيت التزامهم قائم على أعمدة فحسب، دون سقف أو تتمة بناء!
جعل الله عز وجل الإسلام بناء كاملا متكاملا، قال تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا”، وقال أيضا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ”، فواجب كل فرد أن يأخذ الدين بكماله وبجملته، ويدخل فيه بكليته، فلا انتقائية، ولا مصلحة شخصية، ولا أخذا ببعض وتركا لبعض.. هذا هو حال من يبحث عن إشباع رغباته، وإرضاء مصالحه مستنا بذلك ببعض أهل الكتاب الذي جاء ذكرهم في الكتاب: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ”، إنه التزام! لكنه بشرع الهوى، وسبيل الشيطان، ودين المصلحة الشخصية..
كي تتضح لك الصورة جلية، تأمل معي هذه الأمثلة الجلية لأرباب ذاك الالتزام -أعاذننا الله وإياك منهم-، من سنة النبي . عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله  قال: “أَتَدْرُونَ ما الْمُفْلِسُ”؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال:” إِنَّ الْمُفْلِسَ من أُمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مَالَ هذا، وَسَفَكَ دَمَ هذا وَضَرَبَ هذا، فَيُعْطَى هذا من حَسَنَاتِهِ وهذا من حَسَنَاتِهِ، فإن فنيت حَسَنَاتُهُ قبل أَن يُقْضَى ما عليه أُخِذَ من خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عليه ثم طُرِحَ في النار”.
وعن ثوبان مولى رسول الله  (أي خادمه) قال :قال رسول الله : “لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا”. قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، جلهم لنا، أن لا نكون منهم و نحن لا نعلم، قال: “أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها”.
لو تأملت هذين الحديثين العظيمين بعين قلبك ونور بصيرتك، لعلمت أن الدين كل لا يتجزأ، ولب لا قشور فيه، ومتى أغفلت منه جانبا، أو هدمت لبنة، أو فرطت في أمر، تتابع الهدم، واستفحل التفريط والغفلة من حيث لا تحتسب.. “جزاء وفاقا”، والجزاء من جنس العمل، فمتى اتخذ المرء دينه سلعة ينتفع من خلالها، ويجني من ورائها.. كان جزاءه سلب النفع من تلك العبادات والشعائر.. فلا هو ينتفع بها في الدنيا لترده إلى صوابه وتقربه من ربه، ولا هي تنفعه في الآخرة، بل تكون حجة ووبالا عليه.
فيا أيها “الملتزمون”! اتقوا الله في التزامكم، وراقبوه في استقامتكم. أساعة لله وساعة للشيطان؟ أأخذ وتمسك والتزام..؟ ثم تفلت وهجر واحتجام؟ “ما لكم لا ترجون لله وقارا”، ما لكم لا تقدرون الله حق قدره، ولا تقدرون دينه حق قدره؟ “ما لكم كيف تحكمون”
أيها “الملتزمون”! أين أنت من مراقبة ربكم في خلواتكم؟ أتظهرون للناس الجميل وتسرون لله وتبارزونه بالقبيح؟
أين أنتم من أعراض الناس؟ أصلاة وصيام.. ثم غيبة ونميمة واتهام؟ أسَلِمَ منكم أعداء الله، ولم يسلم منكم إخوانكم في الله؟ أتهدمون ما تبنون؟ وتنقضون ما تغزلون؟ ما لكم أفلا تذكرون.
أين أنتم من حقوق العباد؟ حق الوالدين: ببرهم واحترامهم والإحسان إليهم وحسن صحبتهم والتذلل لخدمتهم والدعاء لهم أحيا وأمواتا..
حق الأولاد بتربيتهم وتنشئتهم على الفضائل، وتجنيبهم سيء الأخلاق والرذائل، مراقبة أحوالهم، وتقويم أخطائهم، الحرص ألا يدخل جوفهم سحت أو حرام..
حق الزوج والزوجة بالاحترام والألفة والوئام.. بحسن العشرة ولين الجانب، بالاهتمام بما يصلح دينهم وآخرتهم، لا بما يشبعهم ويروي ظمأ دنياهم فحسب..
حق الإخوة بنصحهم وتقويمهم وإرشادهم، بإعانتهم ومساعدتهم والتفريج عن كربهم، بالمسارعة إلى نجدتهم وإغاثتهم، بالدعاء لهم وحب الخير لهم..
حق الأجير بحسن معاملته وإعانته، وعدم تكليفه فوق طاقته، بعدم مماطلته وظلمه في تأخير معاشه، بشكره والإحسان إليه.. كما تفعل ذلك في بيتك وبين أهلك..
حق الناس جميعا باحترامهم، وحب الخير لهم، بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، بسلامة الصدر لهم والذب عن أعراضهم وحسن الظن بهم..
الكلام كثير، والسرد وفير، لكني أقول باختصار: لا تجعل من صلاتك وصيامك وعبادتك معول هدم لا ركن بناء وأنت لا تدري.. تعمير المسجد، والتزام الصلاة، وحج البيت، كل هذا مطلوب ومحمود.. لكنه أساس لبناء تام كامل فيه حسن الخلق، وحسن المعاملة، وحسن العشرة..، فيه حقوق الله عز وجل، وحقوق عباده.. فيه قوانين تعاملك مع المسلمين، ومع الكافرين، مع العصاة والطائعين، مع العباد والعلماء والأمراء، مع الحيوان والجماد والنبات… “ما فرطنا في الكتاب من شيء”، فاحرص على كمال دينك وتمام النعمة عليك، ولا تكن انتقائيا، فيأتي الله بنيانك من القواعد ويخر عليك السقف من فوقك وأنت لا تشعر..
نسأل الله الثبات على الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1
    ضيف says:

    اكثر من رائع
    بارك الله فيك
    اللهم ثبتنا على دينك وثبت التائبين والعائدين الي رب العالمين