اليوم الأحد 23 يوليو 2017 - 5:41 مساءً
أخر تحديث : الإثنين 20 يناير 2014 - 1:53 مساءً

الالتزام الحقيقي – رفاد غانم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
بعد أن بينا في الأسبوع الماضي خطورة الالتزام الأجوف، وحذرنا من الانتساب إليه والاتكال عليه.. كان لزاما علينا أن نبين بجلاء ووضوح معنى ومظاهر الالتزام الحقيقي الحري بكل مسلم أن يكون من أهله وأربابه..
قال رجل من المسلمين لعالمٍ من التّابعين: كيف رأيتَ أصحابِي؟ قال: “أرى صلاةً كثيرة وصيامًا، ولكنّي لا أرى عليهم نورَ الإسلام”، وسأل رجلٌ الفضيلَ بن عياض: لم كان كلام السّلف الصالح أنفعَ من كلامنا؟ قال: “لأنّهم تكلَّموا لعزِّ الإسلام، ونجاةِ النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلّم لعزِّ النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق”، قال عليّ بن الفضيل بن عياض – رحمه الله -: يا أبتِ، ما أحلى كلامَ أصحابِ محمد – رضي الله عنهم -، قال: “يا بنيّ، أوَ تَدري لِم حَلاَ؟ ” قال: لا يا أبت، قال: “لأنّهم أرادوا به اللهَ – تبارك وتعالى -“.
تعمدت أن أبدأ كلامي بهذه الآثار التي أجعلها نقطة انطلاق لموضوعنا. لو سألت أحد الشباب هل أنت ملتزم؟! لأجابك باستغراب: أنا! الحمد لله ملتزم وحتى أعفيت لحيتي وقصرت ثوبي… ونسيت أقول إني أحضر دروس الشيوخ وأحيانا أتصور معهم، وهذه هي الصور…. ولو سألت إحدى الفتيات المسلمات أنتِ ملتزمة؟! لأجابتك بكل قناعة: طبعاً ملتزمة.. أنا ألبس الجلباب والنقاب، ولي نشاط دعوي ووو..
كثير من الناس يظنون أن الالتزام مجرد تقصير بنطلون، أو تربية لحية، أو لبس نقاب، أو مجرد أنه يحضر دروس في المسجد، يرون أن الالتزام قائم على بضعة مظاهر أو أفعال يقومون بها أمام الناس بين الحين والآخر.. هكذا يكون المرء ملتزما عندهم!
مجموعة ثانية من الناس من فهمت التدين والالتزام شيئا آخر، أمورا قلبية لا حاجة أن تظهر على الانسان! فتسأل المسلم عن تركه للصلاة فيجيب: الإيمان في القلب! وتستغرب تبرج المرأة وسفورها وترجلها فيكون الجواب: الإيمان في القلب! بمعنى أنها ملتزمة قلبياً وتمشي في الشارع كاسية عارية مميلة مائلة… يا سبحان الله!
ما أريد أن أقوله إن المجموعتين بعيدتان كل البعد عن طريق الجادة وعن الصواب، فالالتزام ليس أمرا ظاهريا فحسب، ولا أمرا باطنيا فحسب، إنما يجمع الأمرين معا..
كي تعي حقيقة معنى الالتزام الحق، تدبر معي حال ذلك الموظف في شركة من الشركات، حين تراه يلتزم بنظام هذه الشركة، وتعاليمها، وشروطها، ومواعيدها، وأوامرها… مقابل الجزاء والمعاش الذي يكتسبه من خلالها.. إنه يعلم تمام العلم أن إخلالا منه بشيء من النظام قد يسبب له فقدانا لكسبه وضياعا لمعاشه..
لست بحاجة إلى كثير من الشرح، فاللبيب من الإشارة يفهم. إن الله أمرنا بأوامر وزرع لنا فيها الفائدة والمصلحة الدنيوية والأخروية، ونهانا عن أمور وصرف عنا فيها الضرر الدنيوي والأخروي! ومتى وعى المسلم وفهم هذه المعادلة وطبقها جملة وتفصيلا كان ملتزما حقا! حينئذ عندما تذكر له صلاة الجماعة تجده في أول الصف لا يتذرع بأقبح الأعذار.. عندما تحذره من الربا ينفض يديه منه ويجتنبه ولا يتذرع بضرورة الحال.. عندما تنهاها عن التبرج والاختلاط والخروج المشبوه والسفر بلا محرم.. فالسمع والطاعة والالتزام، لا التحايل وروغان الثعالب! هذا هو شعار الملتزم الأول: سمعنا وأطعنا… وأما أدعياء الالتزام فواقع حالهم يقول وينطق: سمعنا وعصينا!
أيها الإخوة! أعود فأقول لأزيد الأمر وضوحا وبيانا: ليس الالتزام الحقيقي مجرد شكليات، ومظاهر، ودروشات… ولا جملة ادعاءات، وتغني بطيب القلب والنيات.. إنّ الدينَ الحقيقيّ لا يعول على المظهرية والشكليات، كما لا يعتمد على صفاء النية دون العمل.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”. فانظر كيف بيّن في الشطر الأول عدم اعتبار المظاهر إذا فسدت البواطن، ثم أتبع في الشطر الثاني ذكر البواطن (القلوب) مقرونة بالعمل الصالح، إذ لا انفكاك بينهما.. فالنية الصالحة تلد عملا صالحا، وإلا كانت مجرد دعوى كرماد اشتد به الريح في يوم عاصف..
نظر عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إلى رجلٍ مُظهِرٍ للنّسك متماوتٍ، فضربه بدرّته قائلاً: “لا تُمِت علينا دينَنا”. هذا التديُّن الصناعيّ الظاهريّ لا تنهضُ به حياةٌ، ولا يَرشُد به مجتمَع.
بعد كل ما ذكر نقول: إن الالتزام المتمثل بإقرار الفضائل ونشرها، وإطفاء الرذائل وهجرها لا يُبلغ بين عشية وضحاها، إنما يحتاج إلى مجاهدة وسعي وطول إلحاح وصبر ليصل المسلم إلى ضالته ومبتغاه.. “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا”.
إنك أيها الأخ المسلم قد ترى نفسك ملتزما متدينا.. ترى نفسك كذلك، وكذلك يراك الناس.. لكن قد تكون في الآن ذاته أبعد الناس عن الالتزام!!! إن الالتزام أيها الأخ المسلم أن تعرف الحق… تدور معه – لا حوله – حيث دار… وتموت عليه… وتلقى ربك وأنت من أهله… حينئذ تكون ملتزما حقا وصدقا..
نسأل الله الفهم قبل القول والعمل.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع