اليوم الأربعاء 19 سبتمبر 2018 - 8:09 مساءً
أخر تحديث : الأحد 19 يناير 2014 - 7:12 صباحًا

مِن أهداف الحوار النبويّ – امير بهاء الدين

لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بالحوار لكي يقطع الوقت أو ليملأ الفراغ، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يستغل الحوار ليلجّ في الخصومة أو من أجل الظهور والغلبة، وإنما كان حواره صلى الله عليه وسلم لأهداف رائعة، وكان كثيرا ما يحقّق أكثر من هدف في الحوار الواحد، أو يحقّق كل تلك الأهداف مجتمعة، ومن هذه الأهداف:

 

التعارف:

فقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم بالتعارف مع غيره عن طريق الحوار،

فعن محمد بن كعب القرظي، وذَكَر قصة مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وما لقي من ثقيف، قال: فألجئوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابنَي ربيعة بن عبد شمس، وهما فيه، فعمد إلى ظلّ حَبَلة [الحَبَلة: شجرة العنب]، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويَرَيان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف، فتحرّكت له رحمُهُما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يُقال له: عدّاس. فقالا له: خذ قِطفا من هذا العنب، فضعه بين يدي ذلك الرجل. ففعل عداس، وأقبل حتّى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: كل. فلمّا وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، قال: ((بِاسم الله))، ثمّ أكل، فنظر عدّاس في وجهه، ثمّ قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ومِن أهل أيّ البلاد أنت يا عداس؟ وما دينُك؟)). قال: نصرانيّ من أهل نينوى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مِن أهل قرية الرجل الصالح يونُس بن متّى؟)). قال عدّاس: وما يُدريكَ ما يونس؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذاك أخي، كان نبيّا، وأنا نبيّ)). فأكبّ عدّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبّل رأسه ويديه وقدميه. قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك. فلمّا جاءهما عدّاس، قالا له: ويلَكَ يا عدّاس! ما لك تقبّل يدَي هذا الرجل ورأسَه! قال: يا سيّدي، ما في الأرض شيء خير من هذا. قالا: ويحك يا عدّاس! لا يصرفنَّك عن دينك، فإنّ دينك خير من دينِه (١)

وهكذا نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ظلّ هذه الظروف الحرجة وما لاقاه من تعب ونصَب حريصا على إجراء التعارف مع من يلاقيه، ولو كان غلاما خادما، فالتعارف هدف من الأهداف الكبرى في حياة المسلم، حتى إنّ الله عزّ وجلّ ذكره كهدف من أهداف جعْلِهِ سبحانه الناس شعوبا وقبائل: ((يا أيّها النّاسُ إنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وأُنثى وجعلناكم شُعوبًا وقبائلَ لِتَعارَفوا إنَّ أكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقاكُم إنَّ اللهَ عليمٌ خَبير)) [الحجرات: ١٣]

 

تلطيف العلاقات مع الصاحب:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستخدم الحوار ليُلطّف الأجواء بينه وبين أصحابه، فقد كانوا رضي الله عنهم يحملون له توقيرا كبيرا قد يجعلُهم متحفّظين في التعامل معه صلى الله عليه وسلم، بينَما كان هو صلى الله عليه وسلم يريد أن يتلطّف لهم ويتباسط معهم ليطمئنّ على أحوالهم.

فعن جابر بن عبد الله قال: كنّا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة، فلمّا قفَلنا كنّا قريبا من المدينة، تعجّلتُ على بعير لي قَطوف [أي بطيء المشي]، فلحِقَني راكب من خَلفي فنَخسَ بعيري بعَنَزَة [العنَزَة: عصا نحو نصف الرمح في أسفلها حديدة] كانت معه، فسار بعيري كأحسَن ما أنت راءٍ مِن الإبل، فالتَفَتُّ فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إنّى حديث عَهد بعُرس. قال: ((أتَزَوَّجت؟)). قلت: نعم. قال: ((أبِكرًا أم ثيّبا؟)). قال: قُلت: بَل ثيّبا. قال: ((فهلاّ بكرا تلاعبها وتلاعبك)). قال: فلمّا قدِمنا ذهبنا لندخل، فقال: ((أمهلوا حتّى تدخُلوا ليلا -أي عِشاءً- لكي تمتَشِطَ الشَّعِثَةُ وتستَحدَّ المُغيبَة)).  – رواه البخاري

فهكذا يتدخّل الرسول صلى الله عليه وسلم في أخصّ شؤون الصحابة الحياتية عن طريق الحوار، ليطمئنّ عليهم ويوجّههم.

 

التعليم:

وأهم من طبّق الحوار للتعليم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان أحسن وأفضل معلّم لأمّته، بل للبشرية جميعا، ومن ثَمَّ فمواقف حوار الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بغرض تعليمهم تندُّ عن الحَصر، ومن هذه المواقف ما يلي:

جلس الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم مع أصحابه، فقال لهم -فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم-: ((أتدرون من المفلس؟)). قالوا: المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع. فقال: ((إنّ المفلس مِن أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتَم هذا وقذَف هذا وأكل مال هذا وسفَكَ دم هذا وضرَب هذا، فيُعطى هذا مِن حسناتِه وهذا من حسناتِه، فإن فنِيَت حسناتُهُ قبلَ أن يُقضى ما عليه، أُخذَ مِن خطاياهم فطُرِحت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النار)) – رواه مسلم.

ففي هذا الحديث استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم الحوار في تصحيح مفهوم لدى الصحابة، وهو معنى (الإفلاس) الذي يحمله العامّة على الإفلاس المادي، وهذا ما أجاب به الصحابة على استفهام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا يصوّب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك المفهوم، ويربطه بيوم القيامة وبالحساب الذي يجري فيه.

وبهذا الأسلوب الفذّ غرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه كراهية الإساءة إلى الناس، حتى لا تضيع حسناتهم، ويصيروا مِن المفلسين بمقاييس الآخرة.

 

إزالة الشبهات:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلّمُ الناسَ الصوابَ بالحوار، يُزيل عنهم به ما يعتريهم من الشبهات، فعن أبي هريرة رضي الله قال: جاء ناس من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنّآ نجد في أنفسنا ما يتعاظمُ أحدنا أن يتكلّم بِه. قال: ((وقد وجدتُموه؟)). قالوا: نعم. قال: ((ذاكَ صريحُ الإيمان)) – رواه مسلم.

فهنا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يهدّئ من روع الصحابة الذين يأتيهم الشيطان بوساوسه حول الله عز وجلّ، ويُبين لهم صلى الله عليه وسلم أن هذا بسبب اتّصافِهم بالإيمان الخالِص.

 

التحقيق في قضايا والحُكم فيها:

من قواعد العدل أنه إذا وقعت جريمة أو شكا إنسان غيرَه إلى الحاكم أو القاضي أن يسأل القاضي المتّهَم والمدّعي، ويستفسر من كِليهِما عن أدلّتِه، سواء للإدانة أو البراءة، ويستجوب الشهود، وكلّ هذا لا يمكن أن يحدث دون حوار. وهكذا وجَدْنا الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل فيما يعرض له من قضايا ليحكم فيها.

فعن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أنَّ نفَرا من قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرّقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلا، وقالوا للّذين وُجِدَ فيهم: قد قتلتُم صاحبَنا. قالوا: ما قتَلْنا ولا علِمنا قاتِلا. فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر فوجدْنا أحدَنا قتيلا.

فقال: ((الكُبْرَ الكُبْر)) [أي: قدّموا في الكلام أكبرَكم]. فقال لهم: ((تأتون بالبيّنة على مَن قَتَله؟)). قالوا: ما لنا بيّنة! قال: ((فيحلفون؟)) قالوا: لا نرضى بأَيمان اليهود. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبطِلَ دمه، فوَداهُ مائةً من إبل الصدّقة.

لقد قُتِل صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشبهة تحوم حول اليهود في خيبر، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُجامل أصحابه، ولا يتحاملُ على غير المؤمنين به، لذا أجرى حوارًا بُغية الوصول للحقيقية.

 

البحث عن الرأي الأفضل (الشورى):

لقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية النموذج، التي يجب أن يعمل المسلمون على احتذائها واستلهامها في حياتهم.

إنّ النظام السياسي العادل لا يمكن أن يقوم على القهر والاستبداد وحُكم الفَرد، وإنّ الشورى والمشاركة في القرار السياسيّ من أهمّ أركان النظام السياسي الناجح، لذا فإن الله قد أمر رسولَه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه، فقال: ((وشاوِرهُم في الأمر)) [آل عمران: ١٥٩]. ووصف سبحانه وتعالى المؤمنين بأنّهم ((وأمرُهُم شورى بينَهُم)) [الشورى: ٣٨]

فإن كانت هذه صفة المؤمنين، وإذا كان هذا هو الحُكم كما أمر به الله عزّ وجلّ، فلا عجب أن تصير الشورى أسلوبًا للرسول صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أصحابه.

ومن نماذج المشاورة مع الصحابة ما رواه عُمَر رضي الله عنه قال: لمّا كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونَيِّف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة ثمّ مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره ثمّ قال: ((اللهمّ أنجِز لي ما وعدتني، اللهمّ آتِ ما وعدتَني، اللهمّ إن تُهلِك هذه العِصابة مِن أهل الإسلام لا تُعبدْ في الأرض)). قال: فما زال يستغيث ربَّه ويدعوه حتّى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فردَّه، ثمّ التزمَه من ورائه، ثمّ قال: يا نبيّ الله، كفاكَ مناشدتك ربَّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك. وأنزل الله تعالى: ((إذْ تستغيثونَ ربَّكُم فاستَجابَ لكُم أنّي مُمِدُّكُم بألفٍ مِنَ الملائكةِ مُردِفين)) [الأنفال: ٩]. فلمّا كان يومئذ والتقوا، فهَزم الله المشركين فقُتِلَ منهم سبعونَ رجلا وأُسر منهم سبعون رجلا، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر، فقال أبو بكر: يا نبيّ الله، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان، فإنّي أرى أن تأخذ منهم الفِداء، فيكون ما أخذنا منهم قوةً لنا على الكفّار، وعسى الله عزّ وجلّ أن يهديهم فيكونوا لنا عضُدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ترى يا ابنَ الخطّاب؟)). فقال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكنّي أرى أن تمكّنني من فلان -قريب لعمر- فأضربَ عنقَه، وتُمكّن عليّا مِن عَقيل فيضرب عنقَه، وتمكّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقَه، حتّى يعلم الله أنّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمّتهم وقادتهم. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يَهوَ ما قُلت، فأخذ منهم الفداء، فلمّا كانَ من الغد قال عمر: غدوتُ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر، وإذا هما يبكيان، فقلت: يا زسول الله، أخبرني ماذا يُبكيك أنت وصاحبُك، فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجد تباكيتُ لبكائكُما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبكي للّذي عَرَضَ عليّ أصحابُكَ مِن أخذِهم الفِداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهم أدنى مِن هذه)) لشجرة قريبة. وأنزل الله تعالى: ((ما كانَ لنبيٍّ أنْ يكونَ لهُ أسرى حتّى يُثخِنَ في الأرض))، إلى قولِه ((لَمَسَّكُم فيما أخَذتُم)) [الأنفال: ٦٧، ٦٨] من الفداء، ثمّ أحلّ لهم الغنائم. – رواه مسلم.

 

عن: أجمل حوار – حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم – د. راغب السرجاني – بتصرّف 

 

(١) قال الصوياني: حديث مرسَل، رواه ابن إسحاق فقال: حدّثني يزيد عن محمد بن كعب القرظي. ويزيد ثقة والقرظي تابعي ثقة، لكنّه لم يذكر من شيخه هنا. لكنّ الحديث روي مرسَلا أيضا عن الزهريّ، وعن عروة بن الزبير ما عدا الدعاء في هذا الحديث، فشاهده عند الطبراني. وقال الهيثمي: ورجاله ثقات، وفيه ابن إسحاق وهو مدلِّس ثقة.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com