اليوم الثلاثاء 23 يناير 2018 - 11:50 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 24 مارس 2014 - 9:56 مساءً

قذيفة العصر: المخدرات

المخدرات.. كلمة قليلة الحروف، قاتلة المعاني، لا تصحب معها إلا الدمار، تسحق في فلكها أحلاماً وآمالاً، وقلوباً وعقولاً، ومبادئ وقيماً، وأفراداً ومجتمعات.
إنها السلاح الخطير.. بيد فاقدي الضمير.. تفتك بالعقول فتعطلها.. وتفتك بالأجساد فتهدّها.. وتفتك بالأموال فتبددها.. وتفتك بالأسر فتشتتها.. وتفتك بالمجتمعات فتحطمها.
إنها التيار الجارف، والبلاء الماحق، والطريق الذي ليس لـه إلا ثلاث نهايات: الجنون، أو السجن، أو الموت.
قبل أن نشرع في بيان حجم هذه المصيبة، وبيان كل الأمور المحيطة بها، نقول: إن الحال في بلادنا عامة، وعند أبناء مجتمعنا خاصة تثير القلق الشديد ولا تطمئن بتاتا، إذ يلاحظ ارتفاع ملحوظ في نسبة من يتعاطون ويتاجرون ويهربون المخدرات، حتى بات مجتمعنا في أعلى القائمة المشئومة، كما أخبرت بذلك بعض الصحف..
عرف العلماء المخدرات بأنها: ما غيَّبَ العقل والحواس دون أن يصيب ذلك النشوة والسرور، أما إذا صاحب ذلك نشوة فإنه مسكر. والإسلام اعتنى بصحة المجتمع أيما اعتناء، وحرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن كالزنا والخمر وقتل النفس وسائر ما يضر بصحة الفرد. فنجد أن الإسلام حرم شرب الخمر وكل ما يمكن أن يكون سبيلا للوصول إليها، حماية للصحة العقلية والنفسية، ومحافظة على السلوك القويم للأفراد، وقد أجمعت الأمة على تحريم الخمر لثبوته بنصوص القرآن والسنة : ففي الكتاب يقول تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون))، والأحاديث التي وردت في الخمر كثيرة منها قوله e: “لعنت الخمرة على عشرة وجوه، لعنت الخمر بعينها، وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها”.
واتفق فقهاء الشريعة الإسلامية على أن تعاطي المخدرات والاتجار بها حرام، قياسا على الخمر، للأضرار التي تسببها لشاربها من ذهاب بالعقل وبالمال والصحة. وهذه الأضرار متحققة من المخدرات، وزيادة عليها أن المخدرات تذهب المروءة والحياء والغيرة على العرض وتسلب من متعاطيها الإرادة، بل يصبح أسيرا لهذه المادة الخبيثة، وفي سبيل الحصول عليها، مستعد أن يضحي بكل شيء: بشرفه وعرضه وماله وبكل ما يملك!
وتحريم المخدرات جاء حماية للأصول الخمسة التي يقوم عليها المجتمع القوي الصالح، وهي: “الدين والنفس والمال والعقل والعرض”. فالمخدرات أول سطوتها على الدين، فمتعاطيها يفر الدين من قلبه والشرع من عقله، ولا يعود يعبأ بما يسبب لنفسه من الأذى ولا لماله من الذهاب والصرف المغدق بلا حساب، وكل هذا لأنها سيطرت على عقله فاغتالته ولم تُبق له عقلا، فهان عليه كل شيء في سبيلها حتى عرضه وشرفه!
أما عن أضرارها فحدث ولا حرج، إذ لا تكفي المقالات والكتابات في الإحاطة بشيء منها، وحسبنا غيض من فيض، فنقول باختصار: لم تدع المخدرات بابا من أبواب الضرر إلا ولها فيه باع طويل! فحسبك من أضرارها الجسمية أنها تسبب تحطما وتآكلا للخلايا العصبية، واضطرابات في القلب، وارتفاع ضغط الدم، وانفجار الشرايين، واضطرابات في الجهاز الهضمي، والتهابات وتلف في الكبد والمعدة، والإصابة بنوبات صرعية متكررة…
أما الضرر النفسي فيؤدي تعاطي المخدرات إلى اختلال في التفكير العام وصعوبة وبطء به ، وبالتالي يؤدي إلى فساد الحكم على الأمور والأشياء الذي يحدث معها بعض أو حتى كثير من التصرفات الغريبة إضافة إلى الهذيان والهلوسة. ناهيك عن القلق والتوتر المستمر والشعور بعدم الاستقرار والشعور بالانقباض والهبوط مع عصبية وحِدّة في المزاج وإهمال النفس والمظهر وعدم القدرة على العمل أو الاستمرار فيه.
طبعا لا يخفى علينا أن الضرر لا يلحق الفرد فحسب، بل يتعداه إلى الأسرة والمجتمع ككل، وباختصار يمكننا القول: إن المخدرات تفقد الإنسان دينه وعقله وقلبه ومن حوله… بل وتفقده إنسانيته!
لسنا نريد من كلامنا عرض المشكلة فحسب، إنما جميعنا مطالبون بتوحيد الهم والجهد والعمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في بلدنا الحبيب وفي جميع البلدان.. والمؤمن السوي ليس بالذي يرى أهل بلده تتخطفهم الشياطين والأهواء، ويظل مكتوف الأيدي..
لذا نوجه في هذا المقام رسائل ثلاث: الأولى: لأولياء الأمور، الآباء والأمهات والمسؤولين باختلاف مراكزهم، نقول لهم: كثير من السلوكيات السلبية -ربما غير المتعمدة- تجعل الشباب يقعون في ذلك الفخ والسم الزعاف.. فمطلوب ممن ائتمنهم الله وولاهم الرعية أن يكونوا قدوات صالحة لأبنائهم، أن يمنحوهم الثقة بالنفس والتشجيع على كل سلوك وتصرف إيجابي، ألا نهمش أقوالهم وأفعالهم بل نتلمس بصيص النور فيها، ألا نجعلهم فريسة لرفقاء السوء، وقاتلي المروءة، والأهم: أن نهيئ لهم الجو المناسب في البيت، الجو الإيماني الذي في حصن حصين من كل ما قد يصيبهم في جرح أو مقتل… والحق يقال: أن هذه التي تنقصنا، أن ينشأ شبابنا على طاعة الله وفي ظل عبادة الله، وفي ظل القيم والأخلاق..، ليتنعموا بظل الأمن والخير والسلامة في الدارين. نقول: حتى لو وقع الابن أو الشاب فريسة للمجرمين فلننظر إليه كمريض يستحق العناية والعلاج، ولنجتهد في تغيير الحال، بدلا من البكاء على الأطلال..
أما الرسالة الثانية فإلى أولئك الذي يتاجرون ويهربون ويبيعون..، اتقوا الله في أنفسكم، وفي أموالكم، وفي مجتمعكم.. ربما ستقولون كما قال أحدهم: الظروف المادية والرغبة في الكسب السريع أدت إلى بيعي المخدرات مع أني لا أتعاطاها أبداً، ولا أبيعها لصغار السن ولا للنساء، بل أبيعها فقط للراشدين! إن الله يمهل ولا يهمل، إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته! إنكم بعملكم هذا تفسدون دنياكم وآخرتكم، كيف لا، وكل من وقع ضحية تغريركم ستحملون أوزاره مع أوزاركم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة! اتقوا الله، وسارعوا إلى التوبة والندم والإقلاع ‍‍والإصلاح، فوالله إن الأمر جد خطير، والله لا يحب المفسدين.
أما رسالتنا الأخيرة فهي خطاب من القلب إلى القلب، إلى شبابنا وفلذات أكبادنا، نستصرخ ضمائركم… فأنتم أمل الأمة وعدتها وثروتها وحاضرها ومستقبلها… إن أعداء الله والإنسانية يتربصون بكم للنيل منكم ومن دينكم، فاستخدموا أخطر سلاح فتاك.. أشد فتكا من النار والبارود.. استخدموها في الخفاء لتسري ببطء بين صفوف أبنائنا فتصيبهم بالوهن والعجز عن العمل والكفاح، وروجوا لهذه السموم بالدعايات الكاذبة المغرضة..
إن المخدرات سموم ولعنة وتشريد ودمار وعار وشنار وتدمير للديار، فلا تصدق ما يروجه لها أعداء الملة والدين وأعداء الإنسانية. لا تصدق أن المخدرات تمنح النشوة وتجلب السعادة، فهذه خرافة، بل تتلف الأعصاب وتجلب الاكتئاب وبالتالي الانهيار النفسي والعصبي. لا تصدق أن المخدرات تساعد على الهروب من الواقع الأليم لمشاكل الحياة، بل تزيد الطين بلة والنار اشتعالا. لا تصدق أن المخدرات تجلب القوة والنشاط، فالثابت الذي لا مراء فيه أنها تؤدي إلى الضعف والوهن والعجز والهلاك والتشرد والضياع.
اتق الله ربك.. حكِّم عقلك.. حافظ على نفسك.. احرص على سمعتك ومستقبلك.. إحذر عدوك وعدو دينك ومجتمعك.. ابتعد عن جلساء السوء وقرناء السوء ((الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين))، تسلح بسلاح الإيمان بالله في مواجهة ما يعترضك من مشاكل وصعوبات في حياتك، ففي القرآن الكريم والسنة المطهرة دواء لكل داء.
وافزع إلى الصلاة ففيها الفرج، وبها تقضى الحوائج، وبها تجلى الغموم وتفرج الكروب، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر. وذكر الله يعمر القلوب ويقويها ويخنس الوسواس، ولذكر الله أكبر ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)).
اللهم اهد شبابنا وبناتنا لأقوم الطرق فإنه لا يهدي لأقومها إلا أنت

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 7 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1
    ضيف says:

    نعوذ بالله من المهلكات ٫ موضوع ممتاز

  2. 2

    مقال رائع
    اسلوب جميل
    وكلمات مفهومة …
    بوركت كفاك …
    وجزاك الله خيرا ..
    هاي المقالات ولا بلاش ….

  3. 3
    ضيف says:

    نموذج جيد من المقالات . ان شاء الله الي بحششوا والي ببيعوا حشيش يقروو وي

  4. 4
    ضيف says:

    السلطات المحليه العربيه تفتقر معنى محاربة المخدرات وهذا من جهلهم بواقع البلدان للاسف

  5. 5
    ضيف says:

    بورك قلملك ايها الكاتب واشراقه اكملي باشراق ما هو مفيد لهذه الامه

  6. 7
    ضيف says:

    ما يقهر ان الناس يرمون المسؤليه مره على الشرطه ومره على المجلس وتاره على المدرسه اين انت من تربية ابنائك ؟؟؟؟ كم اهتتمت بتربيتهم ؟؟