اليوم الثلاثاء 27 يونيو 2017 - 4:31 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 27 يناير 2014 - 8:59 صباحًا

تربية الأبناء في ظل التحديات المتسارعة

مما لاشك فيه أن قلوبنا تخفق بالمحبة لأبنائنا وفلذات أكبادنا، ونتمنى من أعماق قلوبنا أن نراهم في أحسن الأحوال في الخلق والدين، وتربية الأبناء وتعهدهم ورعايتهم من المسؤوليات الهامـة والضرورية في ظل المتغيرات الحالية، والقيام بها من أولى هذه المسؤوليات التي اهتم بها الإسلام، وألقاها على الوالدين بالدرجة الأولى والمجتمع بما فيه من مكونات ومناهج دراسية وتربوية، ومؤسسات إيمانية، وتعليمية، وإعلامية، وغيرها، وما لها من منافع مشتركة بين الآباء والأبناء، وكيف أن الأبناء يتأثرون بالآباء والأمهات، ويحملون الكثير من صفاتهم وسلوكياتهم، قال – سبحانه وتعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: 27].
وتربية الأبناء وتعهدهم هي الخطوة الرئيسة والتحدي الهام الذي يتوقف عليه مستقبل الأمة المسلمة، وخاصة في زمن كثرت فيه المغريات، وظهرت فيه التيارات، وانتشرت فيه الرذيلة، والفساد، وانحرف بعضهم عن جادة الطريق بالآثام والمعاصي وغيرها، يُساعد في ذلك قوى الظلم والطغيان بما يملكون من قوة مدمرة، وتحولات تقنية متسارعة ومذهلة، ونفوذ على الأرض، كل ذلك لغزو الأمة المسلمة فكرياً وثقافياً ونفسياً وعلمياً وصحياً، وفرض تحديات واقعية على شبابها، لجعلهم في اضطراب دائم، ليس لهم نهج أو خطة أو هدف، أوضاعهم الصحية والمعنوية والنفسية في تدهور مستمر، لا يتمكنون من عمارة الأرض والقيام بأمانة الاستخلاف والعبادة، “فلا يقيمون وزناً للدار الآخرة والإيمان بالله في أمور الحياة الدنيا التربوية والاقتصادية، والسياسية والاجتماعية، وفق خُطَّة مدروسة ونهج محدّد وأهداف واضحة لديها”.
وقد أدرك ذلك الرسول الكريم – عليه الصلاة والسلام – وتلاميذ مدرسة النبوة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، فكانوا عيوناً ساهرة تراقب الأبناء قبل أن تعصف بهم ريح الشيطان إلى مهاوي الردى، ومزالق الانحراف وطرق الضلال، فعملوا على بنائهم، انطلاقاً من المسجد منارة العلم والنور والتربية والتوجيه والبناء والتعهد، إدراكاً منهم أن الأمة لا يمكن أن تنهض إلاّ برجالٍ أخلصوا النية لله، واجتهدوا في بناء فلذات أكبادهم وتربيتهم التربية الإيمانية الصالحة لكل الأزمان والعصور، فكانت النتيجة أنهم استطاعوا تغيير المجتمع الجاهلي والمتخلف الظالم إلى مجتمع متقدم متعلم يسـوده العدل والرحمة والإحسان، والمحبة والمساواة، متخلصاً من العصبيات الجاهلية التي كانت تعصف بالمجتمع. ومن الأهمية بمكان إدراك أن مهمة التوجيه والإرشاد وتربية الأبناء مهمة شاقة، ومن أعظم المهام التي يقوم بها الإنسان المسلم في حياته الدنيا، للخروج من الذل والهوان والإحباط الذي تعيشه الأمة المسلمة إلى القوة والعزة والمنعة، لنيل رضا الله والأجر العظيم، ولكي يتمكن الوالدان من رسم معالم الطريق لأبنائهم، بتربية صالحة، وسعادة في الدارين.
ونحن جميعاً مسؤولون أمام الله بواجب الرعاية، والتعهد، والبناء، التي أمرنا الله بها، وهل تمت مراقبة الأبناء وتوجيههم بالإشراف الدقيق عليهم، وبذل كل الوسائل الإيمانية والتربوية لتنشئتهم على الإيمان والخُلق والفضيلة؟!
وهل كنا قدوة حسنة لهم؟! هل رأوا فينا نحن الآباء والأمهات أمثلة صادقة يحتذى بها؟! هل رأوا فينا الاستقامة والأمانة، والصدق والعفاف، والنهج والتخطيط، والتزام كتاب الله وسنة نبيه الكريم؟! هل حاولنا تنمية قدراتهم ومواهبهم بالتدريب على أهم قواعد الممارسة الإيمانية والتطبيق، من أجل المساهمة في بناء أمة قوية قادرة على استيعاب تلك التغيرات المتسارعة، والتحولات الحادثة في عصرنا، لحماية الروابط الإيمانية بين أبناء الأمة، فإن كنا كذلك فالحمد لله، وإلا فيجب محاسبة النفس، وتعديل المسار، وتصحيح الطريق، والشعور بعظم المسؤولية، من خلال التربية والتعليم والبناء والتعهد، وتفعيل ذلك في نفوس الأبناء والبنات.
إن الأبناء من نعم الله علينا، وإن من الواجب علينا تجاه النعم المحافظة عليها وبذل الغالي والنفيس من أجل صيانتها، وإن كل عاقل يدرك أن صلاح الأبناء هو من أعظم النعم بعد نعمة الإيمان، وأن الوالدين لو ملكا الملايين من الأموال ثم كان لهم أبناء غير صالحين فإن هذه الأموال لا تساوي شيئاً. من هنا تبرز بوضوح مسؤولية الوالدين في تلك المهمة الشاقة جداً، “ويتجلى الجهد المضني الذي تستدعيه هذه الغاية، ويظهر للعيان الأثر الخطير والنتائج الجلية التي تنبثق عن النجاح أو الفشل فيها رفعة وسؤدداً أو انهياراً، وما أصدق قول القائل: أخبرني عن شباب الأمة أخبرك عن مستقبلها”.
قال ابن القيم – رحمه الله تعالى -: “وكم ممن أشقى ولده، وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد- رأيت عامته من الآباء”.
كما عاتـب بعضهم ولده على العقوق، فقال: “يا أبت إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً، فأضعتك شيخاً”.
لذا يجب على الوالدين أن يستشعرا عظم المسؤولية بغرس القيم النبيلة والمبادئ الحميدة في نفوس أبنائهم، وتوثيق الصلة مع المؤسسات الإيمانية والتربوية، لتتكامل تربية الأبناء على مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء، وحذارِ من التركيز على الجوانب المادية في تربية الأبناء، وإهمال الجوانب الروحية والمعنوية.
وقد جعل الإسلام تربية الأبناء تكليف شرعي، وواجب ديني، وتصوّر إيماني، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أكرموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم)) ، وقال علي – رضي الله عنه -: ” علموهم وأدبوهم “.
يقول ابن القيم – رحمه الله – منبهاً إلى أهمية دور الأسرة في التربية: فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً.
فدور الوالدين في تربية الأبناء هام جداً، فعليهم أن يزيدا من جرعات الحب والحنان لهم، ويتقربا منهما ويغرسا في نفوسهم الخصال الحميدة والمبادئ القويمة، وأن يكونا قدوة حسنة في سلوكياتهم أمام الأبناء، فتصاغ شخصية الأبناء من خلال إكسابهم الصفات الحسنة، وتجريدهم من الصفات السيئة، كما يجب على الوالدين أن يوحدا أسلـوب تربيتهما ورعاية أبنائهما جسمياً، واجتماعياً، وعقلياً، ونفسياً، وصحياً، وسلوكياً، ودينياً وأخلاقياً، وعلمياً، لبنائهم أفضل بناء، وتعهدهم أفضل تعهد، من أجل أن يواصل الأبناء حياتهم بكل ثقة وثبات أمام تحديات الواقع، ويصبحوا عناصر فاعلة في بناء الأسرة والمجتمع، فبهم ترتفع هامات الأمة وتتقدم، من نصرٍ إلى نصر، ومن عزٍ إلى عز، ومن رفعة إلى رفعة.
ومن الأهمية بمكان أن يفهم الوالدان المتغيرات الحاصلة، وكيف يتجاوبان برفق وحزم في آنٍ واحد مع مشاعر الأبناء، كما ينبغي أن تكون المعاملة ثابتة على مبادئ نابعة من منهاج الله، ” فلا تمدح اليوم ابنك على شيء زجرته بالأمس على فعله، ولا تزجره إن عمل شيئاً مدحته بالأمس على فعله.
والتربية السليمة هي ما ذكرها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عندما قال: ((إنما العلم بالتعلم)).
الكاتب: نعيم كامل نايف شبير

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1

    الله يخليلنا اياهم….