اليوم الإثنين 24 يوليو 2017 - 1:43 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 2 فبراير 2014 - 9:29 صباحًا

ومضات من زمن فات …إلى ما هو آت (7)

بسم الله الرحمن الرحيم
.. وإن تشابه الناس في مولدهم , إلا أن لكل منهم ذاتٌ وفكرٌ وطريق , وعلى كثرة الناس واختلاف حضاراتهم لا يُذكرُ منهم إلا من ترك أثرا سجّله التاريخ , وكم سجّل التاريخ من أحداث نحن من آثارها ومن نتائجها , ليس لنا فيما وقع منها خيار , لكن يبقى خيارُنا أن نُسجّل في التاريخ كما سجّل غيرنا , ولو أفنيت عمرك تقرأ في تاريخ الأمم لما وجدت أعظم تاريخا من أمّة سجّلت بإيمان أبنائها وتضحياتهم , بعقولهم ودمائهم ملحمة أن تكون , في مفاصل زمنيّة مُختلفة , بأحداث مُتشابهة شبه متكرّرة , سلك معها أعداءها كُلّ سبيل ملحمة أن لا تكون وما زالوا إلى قيام السّاعة ..
من حكمة الله أن يوضّح لنا حقيقة ثبات السّنن وتكرار التاريخ, فجعل الأحداث التي تمرّ بها أمتنا في وقتنا هذا تكاد تكون متطابقة مع الأحداث التي جرت على سطح الأرض في القرن السابع الهجري.. , القوى المؤثرة , أعداد الجيوش , أعداد المدن المُنهارة , مساحة البلاد المحتلّة , أعداد الخيانات وكيف كانت وأسلوبها , .. أحداثٌ عجيبة, أعجب ما فيها أن ما دوّنته الكتب عن غيرها من أحداث ربّما يكون مُبالغا فيه, أما هنا فلسان الكتب أقل من لسان الواقع الذي حدث , مهما بالغت في وصفه بسرد مآسيه وما جرى فيه .
.. قوّتان تمثّلتا في فئتين عظيمتين , أما الأولى فهي أمّة الإسلام التي كانت تملأ مساحة ضخمة من العالم , تبدأ من غرب الصين وتمتد عبر آسيا وأفريقيا لتصل إلى غرب أوروبا حيث بلاد الأندلس , لكنّها تعيش فُرقة شديدة وخلافات سياسيّة عنيفة وأليمة , وكانت الخلافة العباسية في بغداد بضعفها رسما كباقي الوشم في ظاهر اليد , إلا أنها رمزٌ يُمثل وحدة الأمّة , يُجمعُ عليه الفُرقاءُ من السلاطين والملوك والأمراء بل والعامّة .. , أما الفئة الثانية فهي القوّة الصّليبيّة , وكان مركزها الرئيسي غرب أوروبا , فإنجلترا وفرنسا , المانيا وإيطاليا , كانت في حملات صليبيّة متتالية على بلاد الشام ومصر من جهة , ومن جهة أخرى كانت اسبانيا والبرتغال وأيضا فرنسا في حروب مستمرة مع المسلمين في الأندلس , وكانت هناك تجمّعات صليبية أخرى في العالم على درجة عالية من الحقد على الأمّة الإسلامية , وكانت الحرب بينها وبين المسلمين على أشدّها .
وبينما هذه الحال على الأرض في ذلك الوقت , ظهرت قوّة جديدة ناشئة قلبت الموازين , وغيّرت من خريطة العالم وفرضت نفسها كقوّة ثالثة في الأرض.. , هذه القوّة هي دولة التتار أو ألمغول!!! .. , ولأن الحديث عنها يطول, سأجتهد اختصار المشاهد في استخلاص العبر , وإعمال النّظر بأن كنّا , بعد إذ أرادوا لنا ألا نكون .. .
الزمن :- سنة 603 للهجرة \1206 للميلاد , المكان :- منغوليا شمال الصين , أوّل زعيم لها ” جنكيز خان ” , ومعنى أسمه: قاهر العالم , ملك ملوك العالم , كان رجلا شديد البأس سفّاكا للدماء , سرعان ما توسّعت دولته لتشمل كل من: كوريا شرقا إلى حدود الدولة الخوارزمية الإسلامية غربا , ومن سهول سيبيريا شمالا إلى بحر الصين جنوبا, بمعنى آخر : الصين , منغوليا , فيتنام , كوريا , تايلاند , أجزاء من سيبيريا , مملكة لاوس , مينمار , نيبال وبوتان , .. أما ديانتهم فخليط من أديان وشرائع مختلفة جمعها جنكيز خان من الإسلام والنصرانية والبوذية , وأضاف لها شرائع من عنده وجعل كل ذلك في كتاب هو كالدستور بالنسبة للتتار سمّاه : الياسة , أو الياسك أو الياسق ..
أعداد هائلة من البشر , يحكمُهم نظام صارم , يتميّزون بالقيادة العسكرية البارعة وتحمّل الظروف القاسية , حروبهم حروب تخريب وتدمير لم يشهد التاريخ لها مثيل , بشر بلا قلوب , ترى في تاريخهم أنهم دخلوا مدينة فقتلوا سكانها جميعا , لا يفرّقون بين صغير أو كبير, بين رجل وامرأة ولا حتى رضيع , لا فرق عندهم بين ظالم ومظلوم ولا بين مدنيّ أو مُحارب , ميّز حروبهم سرعة انتشارهم وبأعداد هائلة , رفضهم قبول الآخر والرّغبة في تطبيق مبدأ القطب الواحد جعلهم لا يدّخرون سبيلا في نقض عهودهم وخفر ذممهم , وهذه صفة لازمتهم منذ نشأة دولتهم إلى سقوطها , والغريب أنّهم كانوا يتظاهرون دائما بأنّهم ما جاؤوا إلا ليُقيموا الدّين وينشروا العدل ويُخلّصوا البلاد من الظالمين .. , وفي الوقت التي كانت بلاد الإسلام تعاني ضربات العدوّ الصليبي من الخارج , وتشرذمها وضعفها من الداخل , بدأ هذا الشيطان الوليد ( التتار) بإعداد العدّة لغزو بلاد المسلمين , بل وإسقاط رمز وحدتهم (الخلافة) ودخول بغداد عاصمة الخلافة الإسلاميّة آنذاك ..
وبما أن الهدف للتتار والصليبيّين كان مشتركا (بلاد الإسلام والمسلمين) , وبما أن الصليبيّين كان جلّ اهتمامهم بلاد الشام حيث بيت المقدس , فقد بدا التعاون جليّا بين الطرفين في مرحلة ما بعد بغداد لاقتلاع شوكة المسلمين, خصوصا في احتلال حلب ومن بعدها دمشق ناهيك عن الحصون والقلاع التي كانت تقضّ مضاجع الصّليبيين وتهدد مصالحهم , بل وشكّلت قبل ذلك سبيلا نحو تحرير بيت المقدس على يد صلاح الدين رحمه الله , ووقفت عائقا أمام تمدّدهم نحو مصر من جهة والجزيرة العربية من جهة أخرى ..
لقد كانت قوّة التتار تمثّل العالم الجديد في ذلك الوقت , فلم يغب عن أنظار الصّليبيين استقطابها وتوظيفها لتحقيق ما عجزوا عنه طوال سنين , فقاموا بإرسال وفد رفيع المستوى من أوروبا إلى على منغوليا (مسافة تزيد على اثني عشر ألف كيلومتر ذهابا فقط) من أجل تحفيز التتار لغزو بلاد المسلمين , وحرّضوهم على اسقاط الخلافة العباسية واقتحام بغداد درّة العالم الإسلامي آنذاك, وأنّهم سيكونون عونا لهم وعينا على المسلمين هناك , وقد حدث ما توقعه الصليبيين , فقد سال لعاب التتار على بلاد المسلمين وما بها من خيرات وثروات , ورغم التباين في العقائد والعادات والتقاليد بين الصليبيين والتتار , ورغم الإختلاف بينهما في أمور كثيرة كانت سببا في حروب بينهما في أماكن متفرّقة من العالم , لكنّهم إذا واجهوا أمّة الإسلام فإنهم يوحّدون صفوفهم لحربها , .. هذا ليس غريبا بل ثابتٌ لازمٌ عند اهل الباطل في حربهم ضدّ المسلمين ..
لقد تعاون قبل ذلك اليهود مع المشركين لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع الإختلاف الكبير بين عقائد الطرفين , وتعاون الفرس مع الروم في حرب المسلمين مع شدّة الكراهية بينهما واختلاف العقائد إلى غير ذلك من ثارات قديمة وحروب كانت بينهما , .. تعاون الإنجليز مع اليهود لإسقاط الخلافة العثمانية , ولإحتلال فلسطين وزرع الصهاينة في داخل هذه الأرض المباركة مع شدّة العداء بين اليهود والنّصارى , .. يتعاون الروس مع الأمريكان الآن في ما يسمّونها الحرب على الإرهاب الإسلامي , تُسهّل روسيا لأمريكا حروبها في أفغانستان والعراق وباقي بلاد المسلمين, وبالمقابل تسهّل امريكا لروسيا حربها على الشيشان ودعمها لبشار الأسد في سوريا , بل ويصمت العالم امام المجازر في سوريا طالما أنّها ضد الإسلام والمسلمين , وما يجري حديثا في العراق في الأنبار السُنيّة تحديدا ليس عنّا ببعيد , وقضية توظيف إيران فيما يجري في لبنان وسوريا والخليج بل والعراق أيضا ليس عنا ببعيد , لنعي ونعرف أن اتحاد أهل الباطل في حربهم ضد المسلمين هي أمرٌ مُتكرّر وسنّةٌ ماضية ..
لا بدّ للمسلمين أن يعرفوا أعداءهم , ولا يستقيم أن يتعامل المسلمون بمقولة ” عدو عدوّي صديقي ” , لا بدّ للمسلمين أن يعوا ويعرفوا أنّ عدوّ عدوّي قد يكون عدوّي أيضا , نعم قد يكون هناك بعض التحالفات بين المسلمين وبعض أعدائهم لأجل معيّن وهدف خاص شرط ألا يكون بتفريط في الدّين , ولا تساهل في الحقوق , ويكون بحذر كاف ولأجل معلوم , ولا يصل أبدا إلى الولاء والتّبعيّة والصّداقة , ونسيان الحقائق الواضحة التي ذكرها الله سبحانه بقوله ” ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حتى تتبع ملّتهُم ” ..
وهكذا .. تبدأ مرحلة التّنفيذ بعد مرحلة الإعداد والتخطيط , وتنطلق جحافل التتار كتيّار جارف لا يقف في طريقه إلا هالك , ولا ينضوي تحت لوائه إلا مارق, ولنا معهم بعد فصولٌ نكتبها , ومشاهد نبسُطها ,علّ فينا من يعتبر أو يتذكّر فتنفعُه الذّكرى .. تابعونا

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة : ,

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع