اليوم الأربعاء 22 نوفمبر 2017 - 5:31 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 2 فبراير 2014 - 9:29 صباحًا

هل ذقت أطيب ما فيها؟! رفاد غانم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
قال الحسن البصري رحمه الله: إن قوماً ألهتهم أمانيّ المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة!
وقال مالك بن دينار رحمه الله: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها… قيل: وما هو؟… قال: معرفة الله تعالى!
قال ابن القيم رحمه الله: أي شيء عرف من لم يعرف الله ورسله؟ وأي حقيقة أدرك من فاتته هذه الحقيقة؟ وأي علم أو عمل حصل لمن فاته العلم بالله والعمل بمرضاته ومعرفة الطريق الموصلة إليه، وما له بعد الوصول إليه؟ صدق طبيب القلوب ابن القيم رحمه الله.
غريب أمر هذا الإنسان، يبحث عن السعادة ويلتمسها هنا هناك، يسلك من أجلها كل المسالك ويطرق كل الأبواب، يكدح بالليل والنهار، يضحي بوقته ونفسه وجهده وطاقته من أجل أن يكون ببساطة: إنسانا سعيدا مرتاحا مطمئن البال… لكن صاحبنا لم يدرك يوما من الأيام أنه لو جمع الدنيا بأجمعها، والمادة بأصنافها، فلن يحصّل ما يرجو بل عشر معشاره، لأنه غفل عن سبب السعادة، ومكمن اللذة، ومصدر الراحة!
فيا من تبحث عن السعادة بجمع المال لا تتعب نفسك! يا من تريد الراحة بعلو المنصب أخطأت الطريق! يا من تريد اللذة بركوب السيارات الفاخرة وتشييد البيوت العامرة مسكين أنت والله مسكين! تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ بين يديك السعادة كلها ثم أراك تنزل وتهبط إلى أسفل سافلين؟! ولم أر السعادة جمع مال —- ولكن التقي هو السعيد
إننا إذا استغرقنا في الحياة المادية، وابتعدنا عن تذكير القلوب بهذا المعنى المهم (معرفة الله)، فإننا ولا شك سنستجلب الهموم والغموم، ونبتعد عن التوفيق، بل وعن لذة الحياة، فأي لذة في حياة من لم يتعرف على الله، أو غفل عن سبل معرفته؟
إن القلوب إذا لم يحركها حادي معرفة الله عز وجل وتعظيمه، فإن العطب سيتمكن منها، والران سيكسوها، فأي شيء يريده قلب لم يتعرف على الله عز وجل؟
وحتى نذكر أنفسنا، ونتدارك تقصيرنا وتفريطنا دعونا نتأمل سويا شيئا من كلام من عرف الله عز وجل – كما نحسبهم -، لنعرف مدى تقصيرنا، وتفريطنا في هذا الباب، فإننا نستحي والله أن نتكلم عن الله ومعرفته وقد بلغ التقصير والتفريط منا كل مبلغ، لكن لا غنى لنا عن فضل الله ورحمته، فرحمته وسعت كل شيء… فلندع للميدان رجاله، وللساحة أربابها…
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكأنه يحكي عن حاله: (إن اللذة والفرحة وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله -سبحانه وتعالى- وتوحيده والإيمان به… وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه).
وقال رحمه الله: (والعبد كماله في أن يعرف الله فيحبه، ثم في الآخرة يراه ويلتذ بالنظر إليه).
وقال رحمه الله في كلام بديع عن معرفة الله عز وجل: ( وهو -بحق- أفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر…).
ثم اسمع لهذا الكلام النوراني الذي أتحفنا به أستاذنا ابن القيم حين هتف رحمه الله: (لا سعادة للعباد ولا صلاح لهم، ولا نعيم إلا بأن يعرفوا ربهم ويكون وحده غاية مطلوبهم، والتعرف إليه قرة عيونهم، ومتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل).
بل لله دره عندما قال رحمه الله -وتأمل-: (والفرح والسرور، وطيب العيش والنعيم، إنما هو في معرفة الله وتوحيده، والأنس به، والشوق إلى لقائه، واجتماع القلب والهمة عليه، فإن أنكد العيش: عيش من قلبه مشتت، وهمه مفرق عن ذلك… فالعيش الطيب، والحياة النافعة، وقرة العين: في السكون والطمأنينة إلى الحبيب الأول، ولو تنقل القلب في المحبوبات كلها لم يسكن، ولم يطمئن، ولم تقر عينه حتى يطمئن إلى إلهه وربه ووليه، الذي ليس من دونه ولي ولا شفيع، ولاغنى له عنه طرفة عين).
نحن طبعا لا نريد كلاما نظريا فحسب بل نريده واقعا عمليا… وأقول باختصار: في ظل هذا البحر المتلاطم من الفتن لا بد لك أن تنبذ الدنيا وراء ظهرك، وتضع بين عينيك شيئا واحدا موحدا متوحدا: إنه الله عز وجل! لا تنتظر أن تعرفه وتتشرب حبه في بضع ركيعات أو دريهمات! إنك تحتاج أن تجتهد وتسعى وتبالغ وتتعب كي تصل، ابذل قصارى جهدك في أصناف الطاعات كلها، في تدبر كلام الله، في التعرف على أسمائه وصفاته، في التفكر في سننه ومخلوقاته..، وحينها ستقترب شيئا فشيئا إلى مقصودك ومبتغاك… أقول لك: إياك أن تنسيك النعمة معرفة المنعم، والهبة شكر الواهب، فوالله لو علمتَ ماذا خسرتَ بجهلك بالله ونسيانك له لتقطعت أوصالك من الأسى والحرمان.. قال الفضيل رحمه الله: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف”! عاش حلاوة الإيمان وقوة اليقين فأذاقه الله حلاوة الدنيا، وله في الآخرة من الله ما تقر به العين إن شاء الله.
فسارع أيها الأخ المبارك إلى معرفة ربك والتقرب إليه، فإنك لا تدري ماذا تكسب غدا وبأي أرض تموت، وإنه من الشقاء والعار والخزي المبين أن تلقى الله… ولما تتعرف عليه بعد!
هدانا الله وإياك سواء السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

قصة وعبرة: عندما عرف الله!
الألماني وولفنج فابينيتش المولود عام 1943م لأسرة ألمانية متوسطة الحال، أظهر نبوغاً غير عادي منذ صغره فتفوق علي أقرانه في مدرسته وكافأته مدرسته وجامعته بالدراسة المجانية حتي التخرج، وحصل علي بكالوريوس العلوم في دراسة طبقات الأرض ثم حصل علي درجة الدكتوراة.
يقول د/ وولفنج : كنت أحاضر في جامعة أكسفورد بالعاصمة البريطانية، وفي إحدي جولاتي الحرة للتعرف علي العاصمة مررت في “ريجنت بارك” وشاهدت المركز الإسلامي القائم بها بعمارة جميلة لفتت نظري، فتوقفت لأتعرف علي المكان وفي هذا المكان بدأت حكايتي مع الإسلام قارئاً بالألمانية، ثم سافرت إلي بلدي لأزداد قرباً من المركز الإسلامي في برلين لأتعرف علي الإسلام أكثر.
ويشدني الإسلام إلي مظلته الواقية من كل شرور هذا العالم! فاشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الذي ختم الخالق به الرسالات والأنبياء وأطلقت علي نفسي اسماً إسلامياً.
يبدوا أن دراستي وتفوقي منعاني من أشياء كثيرة كانت حلماً لي فقد كنت أتمنى أن أتعرف علي شيء يثربني من ذاتي التي نفرت من كل الماديات التي أحالت كل شيء إلى صنع الإنسان ولقد عثرت بالإسلام على التوحيد الذي رد كل شيء إلى الله وحده لا شريك له!

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 3 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 2
    واحد says:

    جزاك الله خير اخي …
    وفقك الله ……
    كلماتك رائعة …