اليوم الأحد 26 مايو 2019 - 4:53 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 10 فبراير 2014 - 8:40 صباحًا

ومضات من زمن فات …إلى ما هو آت (8)

بسم الله الرحمن الرحيم
ما يُميّز أزمنة الانحطاط عادة انتشار الظّلم وتفشي القمع والجهل وسوء الإدارة والحُكم , وانشغال الناس بأنفسهم وشهواتهم عن أحوال أقرانهم , القابٌ تُزيّنُ الأسماء ليس لصاحبها منها حظّ ولا نصيب , ثيابٌ تسترُ أجسادا كأجساد النّعام , وعقولا كعقول الّدجاج ,لا تنتفخُ إلا على ضعيف ليس له سنّ ولا ناب , يدورون في واسع التاريخ حيث تدور الأمم , فإن هُموا سادوا أكلوا شعوبهم وأطعموها غيرهم , وإن نُكسوا سادت شعوبُهم إن كان لها فضلُ عقل أو فكر يُنير لها الطّريق , فهل أمّة الإسلام معزولة عن ذلك فلا يُصيبُها ؟! .. نعم يصيبها ما أصابهم .., لكنّها ليست كباقي الأمم ! لأنّ الذي جعل منها أمّة هو الله سبحانه وتعالى بالنّور الذي أنزل على عبده ونبيّه محمد صلى الله عليه وسلّم, فما استمسكت بهذا النّور كانت ضياءً للعالمين , بل كالشمس تدور حول قرصها الأرض , وهل يُفسدُ الشمس دورانُ الأرض حولها ! إنّما تفسُد الأرض بفساد الشمس , ولو أن الخلائق اجتمعوا ليحجبوا نور الشمس ما استطاعوا , لذا كان من سمات تأخّر الأمّة وكُسوف شمسها هو تخلّي ابنائها عن هذا النّور, وسعيهم كلّ طريق خلف جذوة هنا او هناك يصطلون بها , وهم فيما هم فيه مُختلفون , لا يعون انّهم بهذا النّور الذي أورثهُم محمّد صلى الله عليه وسلّم إنما يسودون الدنيا وتكون أمّتُهم خير الأمم ..
نعود للتاريخ .., رُبّما كان في الأحداث ما فيه مُزدجر , فانظروا الخبر , وخُذوا العبر مما كان من ّ حرب التتارعلى المُسلمين , .. كانت المنطقة الشرقية للدولة الإسلاميّة تُعرف في ذلك الوقت بالدّولة الخوارزمية , كانت تضمّ بين طيّاتها أقاليم إسلامية هائلة مثل : أفغانستان , أوزبكستان , تركمنستان , طاجكستان , باكستان وأجزاء من إيران , وكانت مدينة “أورجندة ” في تركمنستان هي عاصمة الدولة الخوارزمية الإسلامية , وكان يحكُمها الملك خوارزم محمد بن خوارزم شاه , .. لم يكن أمام جنكيزخان إذا أراد أن يُسقط الخلافة العباسية في بغداد سوى هذه اللدّولة الخوارزمية تقف في وجهه سدا منيعا , ولأن المسافة بين الصين والعراق كانت كبيرة فهو بحاجة لقواعد إمداد ثابتة لقوّاته , كما أنّه بحاجة لتأمين ظهره من شعوب مسلمة قد تقطع عليه خطوط إمداده , لذا كانت منطقة أفغانستان وأوزبكستان أمامه الهدف الأوّل , وكانت بينه وبين الخوارزمية معاهدة حُسن جوار , فلما استقرّت الأوضاع تحت سلطانه في منطقة الصين ومنغوليا لم يبقى سوى الدّافع لغزو الدّولة الخوارزمية , فجاءه مُوافقا لرغبته , قُتل بعض التجار التتار في مدينة ” اوترار” في مملكة خوارزم شاه وطالب جنكيزخان بمن قتلهم , لكن خوارزم شاه رفض واعتبر ذلك تعدّيا على سيادة دولته , فهو لا يُسلّم مُجرما مُسلما ليُحاكم في بلاد أخرى بشريعة أخرى , ووعد جنكيزخان بمُحاكمة الفاعلين وفق الشريعة الإسلاميّة .., وبما أن غزو بلاد المسلمين كان هو الهدف , فأياً كانت الحُجّة لا يهُم , المهم إنفاذ الأمر وتحقيق الهدف , فكان اللقاء الأول شرق نهر سيحون (نهر سرداريا في كازخستان) , وقُتل من الفريقين خلقٌ كثير ولم ينتصر أيّ منهما على الآخر , ولأن أعداد التتار كانت هائلة فإن محمد بن خوارزم شاه انسحب ليُحصّن مدنه الكبرى وخاصّة العاصمة ” أورجندة ” , .. وقد يسأل السّائل لم لم يطلُب العون من بقيّة ممالك الإسلام المُحيطة به وهو يعلم ما يُواجه ؟! لماذا يختار سياسة الدّفاع بدلا عن الهجوم ؟ الجواب كارثيّ .. , كان على خلاف معها .. , كان مُنفصلا عن الخلافة العبّاسيّة بل كان مُعاديا لها , ولم يكن على وفاق مع الأتراك ولا مع السّلاجقة ولا حتى مع الدّولة الغوريّة في الهند .., كانت مملكته شبه مُنعزلة سياسيّا عن بقيّة العالم الإسلامي , وهكذا وقف وحيدا أمام هذا الغزو التتري الجارف .. .
المملكة الخوارزميّة وإن كانت قويّة واستطاعت نوعا ما من صدّ الهجوم التتري بادئ الأمر , فهي لن تستطيع الصّمود بمُفردها أمام التتار , المأساة لا تنحصر زمانا ومكانا في قوّة الأعداء , لكن بضعفنا وفُرقتنا بل وكثرة الخبث فينا , صدق الله تعالى إذ يقول ” ولا تنازعُوا فتفشلوا وتذهب ريحُكُم واصبروا إن الله مع الصّابرين” , فانظروا كيف جعل الله الفشل قرينا للتنازع ..
ممّا يُثير في النفس الإشمئزاز أنه في فترات مُختلفة سكنت فيها الحرب مع التتار, لم يستغلّها المسلمون في التوحّد وصفّ الصّفوف وتقوية الجبهات , بل أخذ بعضهم يستأسدُ على بعض فيأسرون فريقا ويقتُلون آخر, يُهلكُ بعضّهم بعضا ويسبي بعضُهم بعضا , ومن كانت هذه صفته وهذا حاله فلا يُكتبُ له النّصر أبدا .., مع التتار أو مع غيرهم , وما نحنُ فيه اليوم شاهدٌ على ذلك .., القدس مُحتلّة بل فلسطين كلّها والكبير والصّغير في بلاد المُسلمين يعلمُ هذا فأين هم ؟! غثاءٌ كغثاء السّيل لا يُسمنُ ولا يُغني من جوع , لماذا؟ لأنّهم بأنفسهم مشغولون عن أمّتهم , حكّامُهم كخيال المآتة (الفزّاعة) , إنّما هم للتفريق لا للتقريب , سيوفهم لا تُشهرُ إلا على أعداء مصالحهم لا أعداء الأمّة , فالأمين عندهم خائن والصادق عندهم كاذب , بل بات عدوّهم الأوّل في نظرهم هو الأمّة لا غيرها , .. ألم يحاربوا بعضهم بعضا ؟ ألا يستأسدُ بعضهم على بعض ؟ ألا يُشهّرُ بعضهم ببعض ؟ بلغ بهم الأمر أن يقيموا أحلافا مع أعداء الإسلام , والهدف من ذلك إن لم يكن هو حرب الإسلام وإضعاف شوكته فما هو ؟
إنّ كل بوصلة لا تشيرُ إلى القدس هي بوصلة معطوبة , ولا نجد في حاضرنا دولة تشيرُ بوصلتها إلى القدس إلا من باب المُحاباة أو النّفاق أو الخيانة , بل هي جميعُها , وقد يقول قائل : كان السّبيُ فيما مضى فأين السّبيُ الآن؟ عجبا .., وهل التّجارة بأعراض المُهجّرين من العراقيين والسّوريين في مُخيّمات اللجوء في الأردن وإن اختلفت المُسمّيات لا يُسمّى سبيا ! ومن الذي يتاجر بهذه الأعراض ومن الذي يسمح بذلك ؟ .., لقد بات الصادقون الصابرون في هذا الزّمان غُرباء , حلال دمُهم وعرضُهم ومالُهم , إرهابُهم وخذلانهم وقتل نسائهم واطفالهم في نظر الطّغاة فضيلة , سبحان الله .. في الماضي القريب أرسلت مصر وسوريا والسعودية جيوشها برعاية أمريكية تحت مسمّى تحرير الكويت من الاحتلال العراقي , وجاء أحلاف أمريكا من الغرب بجحافلهم والنتيجة احتلال العراق بعد تقطيع أوصاله لمحميّات , وتدميره وتسليمه بعد ذلك للرّوافض والصّفويين , هاهي الآن نفس هذه الدّول تُعاني مما عانى منه العراق , فتنة طائفيّة وانتشار الظّلم والجهل والقمع وسوء الإدارة والحُكم , كانت هذه موجودة قبل ذلك لكنّها اليوم ملئ السّمع والبصر, وهاهم تتار اليوم يُطبقُون علينا من كل جانب , فحمص وحلب وحماة وغيرها تشهد اليوم ما شهدته على ايدي التتار من قبل , قتل وتدمير ونهب وسلب , وها هي العراق تشهد ملحمة الصّمود في زمن ابن العلقميّة الثاني الذي باع بغداد االتي كانت حاضرة الخلافة الإسلامية , وبات الرّوافض فيها أعزّة بسيوف الغُزاة ..
إنّ البوصله أصبحت بلا عقارب اليوم , فلا غربٌ ولا شرق ولا جنوبٌ ولا شمال إلا فيما يُفرّق هذه الأمّة ويضمن عدم توحّدها , وما أكثر العُميان الذين لا وجهة لهم إلا ما فيه منفعتهم قصيرة الأمد , والطّرشان الذين لا قبلة لهم وهم يسمعون فلا يعون قول المالكي يريد أن تكون قبلتهم الجديدة كربلاء!!!!!!!!

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة : ,

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com