اليوم الجمعة 27 أبريل 2018 - 9:18 صباحًا
أخر تحديث : الأربعاء 26 فبراير 2014 - 7:36 صباحًا

السخرية الأزليّة لدعاة التحرّر والعالمانيين من رسالة السماء والمصلحين!

السخرية الأزليّة لدعاة التحرّر والعالمانيين من رسالة السماء والمصلحين!

تحتّم علينا حساسيّة المرحلة وخطورة التحديات أن نجيد التعامل مع أعداء الإصلاح والرسالات الذين يتخذون من غطاء الدفاع عن الحريات ذريعة للتحرّر والتفلّت، ولا يجدون في سبيل ذلك حرجاً في تسفيه المصلحين وأنبياء السماء بهدف تمرير مخطّطهم الشيطاني الإرهابي الرامي إلى جعل المنكر معروفاً والمعروف منكراً عبر فرض واقع من الإرهاب الداكن الخانق، لا يجد فيه المصلحون بصيص أمل وسط الظلام الدامس فييأسون ويستسلمون للواقع المرير، ولا متنفّساً في هذا الجو الخانق العدائي فيصمتون أو يرحلون، في حملة شرسة للإسكات والترحيل القسريين خنقاً للفضيلة ووأداً للإنسانية لتجد بين المصلحين أنفسهم من يردد مقولة عمر الجبار لأبي بكر الليّن وقت ردة ٩٠٪ من قبائل العرب “لا طاقة لك بمحاربة العرب كافة .. الزم بيتك وأغلق بابك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين” أو من يقول “إننا في آخر الزمان ففرّ بدينك إلى جبل يعصمك من الناس ترعى لك فيه غنيمات” .. وهذا مبلغ أماني الشيطان من محاصرة الدعوة لكتم أنفاسها لا بهدف استئصالها لأنه يعلم أن كلمة الله هي العليا ولكن بهدف تأخير النصر وعرقلة المساعي قدر الممكن!

الجوّ الترهيبيّ الذي يذيعه الغرب المتحرّر عن الإسلام وبثّ سموم الحريّات بمعناها المتحلّل
تجد لها وللأسف طريقاً إلى أبناء جلدتنا وشبابنا، لا لأنّ عقولهم بلهاء ولكن لأنهم ما تحصّنوا أساساً ضدّ الدعاية الغربية الترهيبية في ظلّ انضباع الجماهير المسوقة وانبهارها بقوّة الغرب وتقدّمه العلميّ وسط انتشار مشاعر الذلّ والضعف والهوان في أبناء الأمة، ومن ثمّ فهي تجد لها استجابة غرائزية فطرية نحو مقارفة الملهيات ومباشرة الشهوات بلا ضوابط عبر التخفّف من تبعات الدين وأوهاق الفضائل وثقل مسؤوليات الأسرة والمجتمع.

فاستخدم دعاة الحريات نفس الأسلوب الذي ما زالوا ولن يزالوا يمارسونه من إرهاب واستخفاف وتشويش، ولا تجد نفسي أروع من هذا الموقف القرآني العابر للأجيال والقرون في تصوير الحرب المعلنة من قبل دعاة الحريات والعالمانيين:

((“قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ”))

إنها نفس التهم التي توجه اليوم للمصلحين ونفس التضليل الذي لا يزال يمارس ضدّهم:

1. “النظرة من زاوية مضللة، فهم لا ينظرون إلى قيمة ما أعطيتهم وروعة ما أهديتهم وما فيه نجاتهم ولكنهم يكرسون الضوء على ما أخذت منهم وإن كان ما أخذته حقيراً هزيلاً وفيه هلاكهم، ولا يخفى ما في هذه السياسة من ظلم واستكبار مقصود وسلبية مبرمجة .. فلم ينظروا على أنه جاءهم بخير عميم ودين قويم ولكنهم ناظروه بأنه منعهم دين الآباء والأجداد لإحراجه وإسكاته، لأنه إن سفّه دينهم اتهموه بأنه يسفّه بذلك الآباء والأجداد ويتنكّر لمن لهم الفضل والسبق .. تماماً كمريض جاحد يتّهم طبيبه الذي أنقذ حياته فزرع له قلباً جديداً بدل قلبه التالف بأنّه إنّما أخذ منه قلبه الأصلي .. فقالوا أصلاتك تأمرك أن نترك ما كان يعبد آباؤنا؟!”

2. “وهل تعني صلاتك أن نترك عاداتنا وتقاليدنا لتأتينا اليوم بدين جديد يفرّق بين أهل البلد الواحد؟!”

3. “وهل تعني صلاتك أن تتنكّر لآبائك وأجدادك وتعقّهم فيما أورثونا من دين وعقائد وتتهمهم وتتهم كل من ليس على دينك الجديد بالكفر والضلال والإلحاد؟!”

4. “وهل تعني صلاتك أن تتدخّل في ممتلكاتنا الخاصة وتتعدّى على حرياتنا الشخصية، فهي لنا ونحن أحرار في أموالنا وملبسنا ومأكلنا ومشربنا وسلوكنا وأبناءنا وبناتنا وأقوالنا وأفعالنا .. نفعل فيها ما نشاء وما نريد؟!”

5. “فهل جاء الإسلام لكبت الحريات وفرض الرأي؟!”

6. “إنك أنت الحليم الرشيد: وهو تعريض يعني أنك لا حليم ولا رشيد وإلا لما جئت بما جئت به، ومعناها تماماً كما يقال اليوم “متطرف متشدّد” (عكس حليم) و “متخلف” (عكس رشيد) .. ولو فأنت سيد العاقلين! يقولونها تخجيلاً وتسفيهاً على وجه الترهيب!

7. واضح أنهم يدّعون الحلم والرشاد والأخلاق في تهمة ضمنية لغيرهم بالتخلف والعنف والإرهاب رغم أنّ العكس هو الصحيح ويتهمون الغير بما هو بريء منه وبما هم أنفسهم أصلاء فيه!

8. يلاحظ الاستهزاء بالصلاة التي يعتبرها هؤلاء مجرد طقوس وحركات لا ينبغي لها التدخل في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بل محلها في الصوامع والجوامع فقط.

ولا يمكن فصل تلك الدعاوي عن تعقيدات الواقع الاجتماعي المعاصر والمشهد العام، فكم سمعنا ونسمع مقولات:

“وهل اللحية أن تقسم البلد أو الناس معسكرين؟ وهل الصلاة أن تثير الفتنة وتزرع الفساد؟!”

تلك الدعاوي الباطلة المضللة هدفها إرباك وإحراج المصلح بطريقة لا تخلو من التبلّي والمراوغة والظلم المتعمّد والتزوير والتشويه لحقائق الأمور من أجل الإفشال الغاشم المقصود وبجنود مرتزقة وأقلام مأجورة أو مقهورة.

وللمثال فلا يبعد المشهد كثيراً عن دعوى “ادع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” حين تحرّف الآية عن سياقها في مقام الدعوة وتُسقط قسراً على “جميع” مقامات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغالباً ما يكون المقصود الفعلي هو فرض السكوت وهيمنة الصمت عن المنكر والتعايش معه والطبطبة على قفاه وعدم التصادم مع دعاته للمحافظة على روابط المجتمع المتهلهل شيئاً فشيئاً والمتهتكة بعض أستاره بفعل طبطبات عمياء أو جبانة أو خاطئة!

ونظراً لكون جذوة حساسية الأمة إزاء دينها لا تزال متّقدة ومشتعلة من حيث الحميّة وبطبع الغيرة المتجذّر لديها رغم بعدها الكبير عن حقيقة دينها، فقد أوجد الأعداء مصطلحاً جديداً يميّزون به بين المسلم المتأسلم والمسلم الإسلامي وصار الهجوم والنقد يوجّهان للإسلاميين المصلحين لا للإسلام كدين لتفادي إذكاء حميّة الجماهير انتصاراً لدينها، فصاروا يهاجمون الإسلامييين ظاهر الأمر وانضمّ إلى ركبهم المحارب بعض أبناءنا المأخوذين والمنهزمين الذين تركناهم يقعون فريسة سهلة بين براثن أعداء السماء، فتحوّلت رحى الحرب المعلنة من حرب على الإسلام في الحقيقة إلى حرب في الظاهر على التطرف والتخلف والتشدد، ومن حرب على تعاليم السماء وكفر بالدين والأخلاق إلى دعوة للحريات والتحرر، وهي دعاوي براقة تأخذ بلباب البسطاء والسذّج والمضبوعين والمستسلمين واليائسين من بيننا ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبلها العذاب والسقوط والانحلال والفجور والصياعة!

لست متطرّفاً إلى الحدّ الذي أتّهم فيه جميع أبناءنا بالكفر البواح لا سمح الله أو الخيانة والانحلال لا قدّر كما ولا أنفي عن جميعهم ما هم عليه من ذلك، ولكنّني على قناعة تامّة بأنّ الغالبية المعادية لدينها هي فئة مضلّلة لم تجد من يأخذ بيدها ويبيّن لها حقيقة الإسلام ومبادئه ويؤسس لديها عقيدة برسوخ الجبال الرواسي، فنشأت أجيال مضللة مشتّتة يواجهها الدعاة والمصلحون أحياناً بغلظة وشدّة غير مفهومة لدى تلك الأجيال ولا مبرّرة لهم حين يثور الدعاة ثأراً للعقيدة والمبادئ الإسلامية.

أحياناً أجد بعض العذر للطرفين، فهذا الطرف الإسلامي يدافع عن دينه ومبادئه بعزيمة وعزّة أكبر مما يدافع العربي عن عرض أمه وشرف أخته، لأن إنسان العقيدة عقيدته هي أغلى وأشرف وأثمن ما يملك، وليس بوسع غير إنسان العقيدة أن يتفهّم ويدرك قيمة ذلك الحبّ وقدر تلك الجذوة العقائديّة التي تدفعه إلى ردّة فعل قد لا تتناسب أحياناً وحجم الحدث أو قد لا تخطر ببال فاقد العقيدة أو فاقد الانتماء العميق إليها، وفي المقابل تجد من ينظر بمنظور سطحي سلبي للعقيدة على شاكلة “كل واحد حر بحاله” أو “لا إكراه في الدين”، فتجد بعض أهل الطرف الأول كشرر النار حميّة وانفعالاً وحرقة ورغبة في نشر الفضائل الإسلامية والقيم النبيلة والعقيدة السماوية الراقية، بينما ستجد بعض أهل الطرف الثاني كثلج الشتاء برودة وجموداً وتلبّداً، فردة الفعل متناسقة مع عمق الفهم وقوة الحب ودرجة الغيرة والحمية.

ولا أنسى أن ثَمّ يقف بالمرصاد طبعاً كما هو دوماً ثلة فاسدين مفسدين ناصبوا الأمة العداء ووقفوا في صفّ إبليس وحالفوا جند الشياطين من كلي الطرفين يؤججون ويسعون في الأرض فساداً بعلم أو بغير علم حتى إذا قيل لآحادهم وزرافاتهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، كما ولا يخفى على أحد أن مواقف البعض قد لا تكون عقائدية ولا هي مبدئية ولا حتى رجولية وإنما قد تنبع وتنمّ عن خلاف شخصي أو منفعي أو حسد رغم رنين الكلمات التي قد يستخدمها في التعبير عن سلامة نواياه ورغم ما يتزيّى به من دعاوي!

وفي مثل هذا الخضمّ الشائك ووسط هذا الزحام المشحون يصبح على المصلحين لزاماً أن يتمسّكوا بالعقيدة المتّقدة التي يحملونها وعرضها بشتى السبل الراقية والدفاع عنها بكل عزة وعزيمة وقوة وصلابة نائين بها عن مساجلات جدليّة مضيّعة للوقت، آخذين بالاعتبار الأول أن رسالتنا حتى حين توجب استخدام الشدة في الأخذ والقوة في الحجة والسيف في القتال لا تستخدمها لذات هدف الهجوم والدفاع، وإنما هدفها الرحمة ثم الرحمة ثم الرحمة بالخلق للوصول بهم وبنا سوياً إلى رضوان الله ليدخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً، فحيثما كفى سيف الحجة وسهم الكلمة لا ينبغي تجاوزهما أبداً، كي يعي الناس ويتأكّدوا أن أصحاب الرسالة هم أشدّ الناس رحمة بالناس ورأفة بهم ورغبة في هدايتهم لا يبغون من وراء ذلك جزاءً ولا شكوراً وما لهم هدف إلا أن يروا أهل الأرض جميعاً ينعمون برحمة الإسلام ويرفلون بعدل القرآن ويرقون نضارة وحضارة وروحاً وسموّ أخلاقٍ وأرقاها.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1

    كلام ممتاز بس بدك ناس تفهم وتطبق