اليوم الخميس 15 نوفمبر 2018 - 10:14 مساءً
أخر تحديث : الخميس 27 فبراير 2014 - 9:55 مساءً

صلاح أبنائك مرهون

كلمة حق قالها الإمام أبو الأعلى المودودي ” لقد أحسن تربيتي وكان إذا سمعني أخطئ في كلمة نهرني ، وعلمني النطق السليم ، وكان يحكي لي كل مساء قصص الأنبياء والمرسلين ، ووقائع التاريخ الإسلامي ، وحوادث الهند ، وقد اهتم بأخلاقي ، فما كان يدعني ألعب مع أقراني ممن كانوا على خلق سيء ، وكنت إذا اعتدت عادة سيئة خلّصني منها ، وكان يأخذني معه دائمًا إلى زيارة رفاقه ، وكلهم على درجة عالية من الثقافة والاتزان، فانتقلت من مجالستهم إلى العادات الفاضلة الحسنة “.
إنها آمال الرجال وأحلام الأمهات لبناء مجتمع صالح , ولكن أي رجال وأي أمهات !!هل يصلح الولد إلا بصلاح والده ؟ وهل تصلح الفتاة إلا بصلاح أمها ؟ وكيف!! إذا لم يبدأ بالتربية القرآنية , نعم بصلاح الآباء والأمهات يصلح الأبناء ويُبنى المجتمع, وتتحقق الآمال والأحلام. فلا يمكن أن يستقيم الظل والعود أعوج، فلا بد أن يكون الأصل صالحًا ليَخرج النبت صالحًا، قال الشاعر:
وليس النبتُ ينبتُ في جِنانٍ كمثل النبتِ ينبتُ في فلاةِ
وهل يُرتجى لأطفال كمالٌ إذا ارتضعن ثدي الناقصات
قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح والمواقف الثلاث التي تعرضا لها نعرفها في سورة الكهف, نقف عند قوله تعالى “وأمَّا الجدارُ فكانَ لغُلامَيْنِ يَتيميْنِ في المَدينةِ وكانَ تحتهُ كنزٌ لهما وكانَ أبوهما صالحًا فأرادَ ربكَ أن يبلُغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربك…”
لا شك أن لهذا الرجل سرًا بينه وبين الله رفع من قدره فحفظ الله به ولده، فلأجله ولأجل الغلامين أرسل الله رجلين أحدهما نبي من أولي العزم، والآخر كان رجلًا صالحًا.
ومن يتأمل( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) ويمعن النظر في لطائف المفسرين في هذه الآية ليجد سببًا عظيمًا من أسباب صلاح الأبناء قد نغفل عنه أو نتغافل عنه. يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: ” فيه دليل على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقرّ عينه بهم.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس حُفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح, وقد عُرف عن الأب إنه كان يؤدي الأمانات والودائع إلى أهلها، فحفظ الله تعالى كنزه حتى أدرك ولداه فاستخرجا كنزهما.
وقال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده.
أيها الآباء أيتها الأمهات تذكروا قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ( احفظ الله يحفظك ). والشواهد على امتداد أثر صلاح الآباء للأبناء ومشاهدة معروفة سابقًا ولاحقًا، ومما يُذكر في امتداد هذا الأثر ما يذكره الإمام الغزالي في إحيائه : رُوي أن الشافعي لما مرض مَرَض موته، قال: مروا فلانًا يغسلني، فلما بلغه خبر وفاة الإمام الشافعي حضر هذا الرجل، وقال ائتوني بوصيته، فإذا فيها على الشافعي سبعون ألف درهم دينًا، فقضاها عنه، وقال: هذا غسلي إياه. قال أبو سعيد الواعظ: لما قدمت مصر بسنين طلبت منزل ذلك الرجل (المغسل)، فدلوني عليه، فزرتُ جماعة من أحفاده ورأيت عليهم سمات الخير وآثار الفضل. فقلت: بلغ أثر خيره إليهم وظهرت بركته عليهم.
فماذا قدمنا لأبنائنا من سمات الخير والصلاح ليحفظهم الله بها ؟ على ماذا نربيهم وكيف نرقى بهم لنصل بهم ومعهم إلى الدرجات العلى من الجنة؟
التربية أمانة أوكلت إليكم فهل تؤدون حقها ؟ إن الله قد أعطاكم رعية , بيدكم إصلاحها وبيدكم إفسادها فهل ستُحسنون الرعاية وتحققون قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته..) , لقد استشعر هذا المعنى سعيد بن المسيب فقال: “إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي ..” ، يريد بذلك أن يصل إلى مرتبة الصالحين، فينال بصلاحه صلاح أبنائه من بعده.
كان والد عبد الله بن المبارك عبدًا رقيقًا أعتقه سيده، ثم عمل أجيرًا عند صاحب البستان، وفي يوم خرج صاحب البستان مع أصحاب له إلى البستان وقال للمبارك: ائتنا برمان حلو فقطف رمانات، فإذا هي حامضة،
فقال صاحب البستان: ألا تعرف الحلو من الحامض؟! فقال له: أنت لم تأذن لي لأعرف الحلو من الحامض.. فقال: أنت من كذا وكذا سنة تحرس البستان وتقول هذا ؟ وظن أنه يخدعه، فسأل الجيران، فقالوا: ما أكل رمانة واحدة منذ عمل هنا، فقال له صاحب البستان: يا مبارك ليس عندي إلا ابنة واحدة فلمن أزوجها؟ قال المبارك: اليهود يزوجون للمال، والنصارى للجمال، والعرب للحسب، والمسلمون يزوجون للتقوى فمن أي الأصناف أنت؟ زوّج ابنتك للصنف الذي أنت منه، فقال: وهل يوجد أتقى منك!! ثم زوّجه ابنته. فكان عبد الله ثمرة تلك الشجرة اليانعة المباركة.
فهم السابقون معنى “وكان أبوهما صالحا ” , فاهتموا بتربيتهم وفق قواعد ربانية ليكونوا ربانيين بتصرفاتهم, منهجهم القرآن وقدوتهم نبيّ الله محمَّد صلى الله عليه وسلم.
يبذل الآباء والأمهات جهودًا كبيرة في تربية أبنائهم وجعلهم أفرادًا نافعين لدينهم ومجتمعهم ، يتفاوتون بما يبذلونه ، فمنهم من يبذل الأمنيات والأماني والأحلام لتربية أبنائه دون أي تطبيق على أرض الواقع.. ومنهم من استرخص الغالي والنفيس وهيّأ جميع الوسائل المادية والتربوية في إصلاح الأبناء، من الآباء مَن يركن إلى الأسباب المادية الظاهرية، ويغفل عن كثير من الأسباب الخفية غير المباشرة التي قد يكون لها أثر عظيم في صلاح أبنائهم كالدعاء والكسب الحلال وحفظ الأمانة وبر الوالدين.
وقد نحرم صلاح الأبناء بسبب ذنب خفي داومنا عليه أو كسب حرام أصررنا على كسبه أو عقوق للوالدين؛ فصلاح الأبناء وحسن تربيتهم ليس وليد تميّز في التلقين والتعليم أو تميّز في اختيار المدارس والمحاضن التربوية المناسبة، أو بذل للجهد والمال فقط إنما هناك عبادات عظيمة يقوم بها الأب نفسه ليحفظ بها ولده.
إن الأسرة الصالحة هي الأساس الصلب للمجتمع ، وطريقنا للوصول إلى واحتنا الجميلة ، فلو تعاهد كل شاب وفتاة مقبلان على الزواج وجعلا هذه الآية وهذا الحديث نصب أعينهما صباح مساء لأنتجنا جيلًا من أمثال خالد بن الوليد والقعقاع بن عمرو وعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح رحمهم الله تعالى.
إن تربيتنا لأطفالنا على الطاعة والصلاح لهو أمر يسير ، يكمن في توفير الجو الأسري الصالح والأمان لهم ، فإذا عاش الطفل في بيئة هادئة تمتلئ أجواؤها بطاعة الرحمن ، وتفيض في ثنايا البيت المحبة والأمان ، فلابد لهذا الطفل أن يكون ذا شأن ، فهو يرى أبويه في الليل قيامًا، يرى الخضوع والخشوع ، يسمع آيات القرآن تتلى ، تلك البيئة العطرة التي تحفها الملائكة , بيئة لا ينقطع فيها ذكر الله أبدًا.
إنه قرار بأيدينا، فلنمتثل قول ربنا ونعمل على إصلاح أنفسنا أولا ليصلح أطفالنا, ونتذكر قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما كان يصلي من الليل، وابنه الصغير نائم بجنبه فينظر إليه ويقول: من أجلك يا بني! فيبكي ويتلو قوله تعالى ” وكان أبوهما صالحاً “.
فمراكز حراء دعائمها تقوم على مساندة الأهل في حفظ الأبناء وغرس القيم التربوية وتهذيب السلوكيات من كل شائبة، من خلال حلقاتها التربوية وفعالياتها ونشاطاتها اللامنهجية، وربط الأبناء بالقرآن الكريم حفظًا ويأتي ذلك ضمن مشاريع التحفيظ وهي: المعاهد المحلية والمقارئ القرآنية وملتقى الحفظة.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com