اليوم الجمعة 24 نوفمبر 2017 - 9:18 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 23 مارس 2014 - 10:35 صباحًا

ونطق الرويبضة..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
كلما مرت بي الأيام ودارت بي عجلة الزمان، واضطررت لأن أصطدم بأنواع كثيرة من الناس، بين غث وسمين، وأبيض وأسود، وجاد وهازل، يزداد يقيني يوما بعد يوم بإخباره صلى الله عليه وسلم عن ذلك النوع من الناس، الذين تراهم في كل مكان، وتتفاجأ بهم في كل حدب وصوب.. وحديثي هنا إنما هو من باب النصيحة والتحذير والتنزه أن نكون من هذا النوع، وهو لي أولا ولسائر المسلمين جميعا.. وقد قال حذيفة رضي الله عنه: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم هن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني!
لنتدبر الحديث أولا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على أمتي سنوات خداعات يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويؤتمن الخائن ويخون فيها الامين وينطق فيها الرويبضة)، قيل: (وما الرويبضة)؟ قال: (الرجل التافه السفيه يتكلم فى أمر العامة).
الرويبِضة في مجموع روايات الحديث: الرجل التافة الحقير ينطق فِي أمور العامة ، وهو من لا يؤبه لَهُ، وهو الفويسق يتكلَم فِي أمْر العامّة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها..
الحديث يشير إلى صنف من الناسِ لا يهمّهم أمرُ الدينِ في شيء، أصحاب أهواء دنيويّة، يرفعون رايات جاهليّة، ويدعون إلى مبادئ ضالّة هدّامة، ويتطلّبون التزعّم على الناس والرئاسة، يشير إلى ذلك وصفهم بالتفاهة والفسق، فليسوا من طلاّب الحقّ، ولا من ملتمسيه بصدق، وَإِنّما هم من الأدعياء الكاذبين، الذين لا تخفى أحوالهم على أدنى ذي بصيرة.. ولو زعموا أنّهم يدافعون عن الحقّ، وينصرونه..
ابتليت بهم هذه الأمّة، وما أعظمه من بلاء! لبسوا لباس العلم والهدى، ولمست من كلامهم الخشية والتقوى! لكنهم خلطوا الحقّ بالباطل ، حتّى تضيع معالم الحلال والحرام ، والمعروف والمنكر في نظر العامّة! ولن يتورع أحدهم أن يبيع دينه بعرض من الدنيا إن لم يتنازلوا عنه بالمجان!
ويتصدّر هؤلاء ميادين العمل الاجتماعيّ، والمسئوليّات الكبرى، في الوقت الذي ينزوي الأخيار عن الساحة، أو يفرض عليهم الإقصاء، ويصبح أهل الحقّ قابضين على الجمر، يُحارَبون من أقرب الناس إليهم، ولا يجدون على الحقّ أعواناً.. وتنقطع الجسور بين أولي العلم والبصيرة بدين الله، والغيرة على حرماته، وبين هؤلاء من أولي الظلم والقهر، الذين يمسكون بزمام الأمور، فلا يبقى بينهم إلاّ التنازع والصراع، الذي ربّما يخفت تارة، ويتأجّج تارة أخرى، وتكثر الخروق في سفينة المجتمع وتتّسع، فلا يكاد أهل الحقّ يعالجون أمراً حتّى تفجأهم أمور ..
لن أسترسل في الكلام.. ولندع الشاعر الملتاع يشكو همه وحاله في مجتمعه:
على رويدكِ يا من تمسـكين يدي كُفِّي الدموعَ وصُوني النفس بالجلَدِ
هلْ تعــذليَن فؤادي غير مُدرِكةٍ هذا الحنينَ الذي يلتاعُ في كبِـدي
لو كانَ في قَدَري أنْ لا أكونَ أنا لكنتِ أنتِ رحيق العمـرِ والعَضُدِ
لكنَّني رجـلٌ يسـعى إلى هدفٍ سعي الغريبِ عن الأوطانِ للبلـدِ
إنـِّي أسـافرُ نحوَ المجـدِ مجتهداً رغم الصعاب فهل يُقضى لمجتهـدِ
هـذا الزمانُ زمانٌ ليس يُنصـفنا نحنُ الرجالُ أُولي الأخلاق والرَشدِ
هذا الزمانُ وصـوتُ الحقِّ منهزمٌ أمَّا الفسادُ فيدوي فيـهِ كالرَعِـدِ
هذا الزمانُ كلَيـْلٍ مُظلِـمٍ نحسٍ يغشى العيونَ فما ينفكُّ كالزبَـدِ
خنافسُ الأرض تجـري في أعِنَّتِها وسـابحُ الخيل مربوطٌ إلى الوتـدِ
وأكرمُ الأُسْدِ محبـوسٌ ومُضطهدٌ وأحقرُ الدودِ يسعى غير مضطهـدِ
وأتفهُ الناس يقضي في مصالحهمْ حكمَ الرويبضـةِ المذكورِ في السنَدِ
فكم شجاعٍ أضـاع الناسُ هيبتَهُ وكمْ جبانٍ مُهـابٍ هيبـةَ الأسَدِ
وكم فصيحٍ أمات الجهلُ حُجَّتَهُ وكم صفيقٍ لهُ الأسـماعُ في رَغَدِ
وكم كريمٍ غدا في غير موضعـهِ وكم وضيعٍ غدا في أرفعِ الجُــدَدِ
دار الزمان على الإنسان وانقلبَتْ كلُّ الموازين واختلَّـتْ بمُســتندِ
أمَّا الذيـن كتـاب الله منهجهمْ فهُمْ منـابرُ إشــعاعٍ بلا مَـدَدِ
ما ضرَّهم أبداً إسفاف من سفهوا أو ضرَّهم أبداً عقلٌ بدون يــدِ
هم الكرام وإنْ ضِيمُوا وإنْ ظُلِموا رغم الصِغارِ ورغمَ الحقدِ للأبـدِ

نسأل الله أن يجعلنا من أهل الحق، ويجمع كلمتنا عليه، ويلم شملنا تحت رايته.. وأن يصلح قلوبنا للإذعان له وقبوله.. والحمد لله رب العالمين..

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع