اليوم الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 3:04 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 24 مارس 2014 - 5:40 صباحًا

ومضات من زمن فات …إلى ما هو آت (9)

بسم الله الرحمن الرحيم
.. شددنا الخُطى باتجاه المسجد الأقصى ,لنُدرك صلاة الفجر فيه , فكان أن أوقفونا وسألونا ثمّ ردّونا : ” ألم تسمعوا الأخبار ! من كان دون الخمسين لا يُسمح له بالدّخول ” .., الساعة جاوزت الثالثة والنصف فجرا , والقلوب تتحرّق شوقا لمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم , .. زأر الشباب فكبّروا وكبّرت معهم , أيّ أخبار وأيّ عبث , ما قدمنا إلا لنُصلّي , أتمنعوننا الصلاة في مسرى رسولنا الكريم ؟! لو مُنع اليهود الصّلاة في كنيس في بلاد الأسكيمو لقامت الدنيا ولم تقعد , فهل منعناكُم عن كُنسكُم حتى تمنعونا عن مساجدنا ؟! أما نحن فديننا ينهانا , لكنّها أخلاقُ الإحتلال , ونشيئةُ الفسق والضّلال , وأيّا كان عليه الحال يبقى السّؤال إلى متى أيّها الأمّة ؟ .. دوّامة الأحداث من حولنا شغلتنا حتى عن أنفسنا فبتنا نُنكرُها , ومنّا من شغلته نفسُه عن الأحداث من حوله , فإن ذكّرتهُ بشيء منها لهج بما هو فيه مشغول , الزّوجة , الأولاد , العمل .., ومنا من فارقته هموم من حوله وهموم نفسه , فلا يراها إلا بعين ولسان ذلك الذي دعا وهو يطوف بالبيت , يستندُ على ولديه , وزوجته العجوز آخذة بردائه من خلفه تؤمّن على دُعائه , يقول : وهبتني زايدا ومزيدا , وشيخة أسلُكُ فيها الأجردا , فجاوز حدّ الأدب فيما اراد من الثّناء على الله عزّ وجل .., أنّى لدوّامة الأحداث أن تُستدرك بمثل هذا وأمثالُه فينا كثير؟ .., شبابٌ كالرّياحين ,خلّفوا الدّنيا وأقبلوا على الآخرة , ازدانت بهم ساحةُ الزّاهرة ,افترشوها رُكّعا لله وسُجّدا , تفاوتت أطوالهم , اختلفت اشكالهم , أسماؤهم وبلدانهم حتى لهجاتهم , إلا أن حبّ الله جمعهم في جوّ بارد وليل بهيم , جلجل صوت الأذان يُعلن دخول وقت صلاة الفجر , فتقدّم شابّ نحيفُ البنية, كثيفُ اللّحية , قرأ بصوت عذب يُذيب الجليد , يلينُ له الحديد , فحلّقت قلوبنا في فضاء الدّيار , واخترقت بما قرأ الأسوار, قوله تعالى : “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” ..
أقول :
ينام ُ النّاسُ عن أمر أمّتهم —- وهل نامت عيونٌ عضّها السّهرُ
إن سُوّد النّاس فهمُوا أشرافُهم —- صار برُؤيتهم يُزهرُ الشجرُ
بالبيت إن طافوا بادرت أركانُهُ—- عليهم بالسّلام وسلّم الحجرُ
مشهدٌ مُصغّر يُجيب عليكم إن سألتُم كيف نُنصر , كيف نُنصر ونحنُ نُقدّمُ أهواءنا في تفرّقنا على ما أراده الله لنا من اجتماع عليه يُوحّدنا ؟ يُقارب هذا ما كان عليه الحال عند غزو التتار لبلاد المسلمين , وقد انشمر خوارزم شاه يُحصّن مُدُنه وبالذات العاصمة وانشغل بها عن غيرها فكان أن دخل التتار بُخارى , وهي مدينة الإمام البُخاري رحمه الله , فدمّروها وقتلوا أهلها بعد أن أعطوهم الأمان , لم يتركوا بيتا ولا مسجدا إلا أحرقوه , وفعلوا الفواحش مع نساء المسلمين , وساقوا ما تبقى من رجالها معهم وغادروا بُخارى قاعا صفصفا كأن لم تكن من قبل , وانطلق جنكيزخان إلى مدينة “سمرقند” وحاصرها من كل الاتجاهات .. وكان من المفروض أن يخرج له الجيش الخوارزمي النظامي ، لكن الرّعب دبّ في قلوبهم ، وتعلّقوا بالحياة تعلقاً مخزياً ، فأبوا أن يخرجوا للدفاع عن المدينة المسلمة !! .., اجتمع أهل البلد وتباحثوا في أمرهم بعد أن فشلوا في إقناع الجيش المتخاذل أن يخرج للدفاع عنهم .. وقرر البعض من الذين في قلوبهم حميّة من عامّة الناس أن يخرجوا لحرب التتار .. وبالفعل خرج سبعون ألفاً من شجعان البلد من أهل الجَلد ، ومن أهل العلم , خرجوا جميعاً على أرجلهم دون خيول ولا دواب , لم يكن لهم من الدراية العسكرية حظ يمكّنهُم من القتال , لكنهم فعلوا ما كان يجب أن يفعله الجيش المتهاون الذي لم تستيقظ نخوته بعد , .. عندما رأى التتار أهل “سمرقند” يخرجون لهم قرروا القيام بخدعة خطيرة ، وهي الانسحاب المتدرّج من حول أسوار المدينة ، في محاولة لسحب المجاهدين المسلمين بعيداً عن مدينتهم , وهكذا بدأ التتار يتراجعون بعيداً عن “سمرقند” وقد نصبوا الكمائن خلفهم. , ونجحت خطة التتار, وبدأ المسلمون المفتقدون لحكمة القتال يطمعون فيهم ويتقدمون خلفهم , حتى إذا ابتعد رجال المسلمين عن المدينة بصورة كبيرة , أحاط بهم جيش التتار وبدأت عملية تصفية بشعة لأفضل رجال “سمرقند” .., كم من المسلمين قتل في هذا اللقاء غير المتكافئ؟! لقد قتلوا جميعاً !!.. لقد دفع المسلمون ثمن عدم استعدادهم للقتال ، وعدم اهتمامهم بالتربية العسكرية لأبنائهم ، وعدم الاكتراث بالقوى الهائلة التي تحيط بدولتهم .. .
وعاد الجيش التتري يُحاصر سمرقند من جديد , وأخذ الجيش الخوارزمي النظامي قراراً مهيناً ! , قرروا أن يطلبوا الأمان من التتار على أن يفتحوا أبواب البلدة لهم , مع أنهم يعلمون أن التتار لا يحترمون العهود ، ولا يرتبطون باتفاقيات ، وما جرى لبُخارى ليس عنهم ببعيد ، لكنّ تمسّكهم بالحياة إلى آخر درجة جعلهم يتعلقون بأهداب أمل مستحيل , ووقف لهم عامّة الناس يعترضون , لكنهّم أصرّوا على التسليم , وهمُوا أن نجاتهم في تسليمهم المدينة لا في مواجهة التتار، وبالطبع وافق التتار على إعطاء الأمان الوهمي للمدينة ، وفتح الجيش أبوابها ، ولم يقدر على منعهم عامة الناس ، وخرجوا لهم مستسلمين ، فقال لهم التتار: ادفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ودوابّكم ، ونحن نسيّركم إلى مأمنكم , ففعلوا ذلك في خنوع ، ولما أخذ التتار أسلحتهم ودوابهم فعلوا ما كان متوقعاً منهم , وضعوا السيف في الجنود الخوارزمية فقتلوهم عن آخرهم , ودفع الجند جزاء ذلتهم ولا حول ولا قوة إلا بالله , ثم دخل التتار مدينة “سمرقند” ، ففعلوا بها مثلما فعلوا سابقاً في “بخارى” , قتلوا أعداداً لا تحصى من الرجال والنساء والأطفال ، نهبوا كل ثروات البلد ، انتهكوا حرمات النساء ، عذّبوا الناس بأنواع العذاب البشعة بحثاً عن أموالهم ، وسبُوا أعداداً هائلة من النساء والأطفال ، ومن لم يصلح للسبي لكبر سنه أو لضعف جسده قتلوه ، وأحرقوا الجامع الكبير، وتركوا المدينة خراباً كأن لم تغن بالأمس ..
كيف سمع المسلمون في أطراف الأرض آنذاك بهذه المجازر ولم يتحركوا ؟! كيف وصل إليهم انتهاك كل حرمة للمسلمين ، ولم يتجمّعوا لقتال التتار؟! كيف علموا بضياع الدين ، وضياع النفس ، وضياع العرض ، وضياع المال ، ثم ما زالوا متفرقين ؟! .., لقد كان كل حاكم من حكام المسلمين يحكُم قُطراً صغيراً ، يرفعُ عليه علماً ، ويعتقد أنه في أمان ما دامت الحروب لا تدور في قطره المحدود ..!! لقد كانوا يخدعون أنفسهم بالأمان الوهمي حتى لو كانت الحرب على بعد أميال منهم !.. ولا تندهش مما تقرأ الآن ولا أظنّك مُندهشا وأنت تُعاين ذلك في حاضر ما يجري في سوريا من أحداث , وخبرني بالله عليك : كم جيشًا مسلمًا تحرك لنجدة المسلمين هناك ؟! لم تتحرك جيوشهم من أجل فلسطين التي فيها مسرى نبيّهم ؟؟! قارب أسره السبعين عاما وهم نيام , فمن للمسلمين في الصومال وفي أزواد , في مينمار أو في افريقيا الوسطى , نستجدي بُراز حقوق الإنسان ونحتفل بعيد المراة التي تهان وتُسبى وتغتصب , ولا نجد من يمُثل الأم المثالية إلا راقصة !!!
كيف نستغرب أنّه لم يفكر حاكم من حُكّام المسلمين آنذاك أن الدائرة حتماً ستدور عليه , وأن ما حدث في بخارى وسمرقند ما هو إلا مقدمة لأحداث دامية أليمة سيعاني منها كل المسلمين ، ولن ينجو منها قريب ولا بعيد .., هي الأيام حُبلى إذا , فناطحوا السّحاب بأبراجكم وأوهامكم , وتقاتلوا على ملياراتكم , وأعدّوا سلاحكم وعتادكم لقتال شعوبكم , فمن فاوض محتلا على مسرى نبيه , واستغنى بعدوّه عن شعبه ,لا يهمّه أن يفاوض على بيت يطوف حوله الناس ولو قال فيه رب العالمين أنّه أوّل بيت وُضع للناس , فالمسجد الأقصى يبقى أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين , كيف لا وقد سمّى الله توجّه النبيّ واصحابه إليه إيمانا فقال ” وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ” ..

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة : ,

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع