اليوم الجمعة 23 يونيو 2017 - 12:55 صباحًا
أخر تحديث : الأربعاء 26 مارس 2014 - 7:34 صباحًا

السلسلة العلمية – ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ – د. وسيم وتد

الرسالة الثالثة: يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 49]

الأنف ذلك المخلوق العجيب …
تفكر أخي الفاضل في أنفك ذلك المكيّف العجيب, فانظر كيف أظهر الله إعجازه في هذه المخلوق الصغير, فتحدى البشرية عن صنع مكيّف بحجمه مع تلك الخصائص والقدرات الهائلة , فهذا العضو يعمل بلا وقود ولا كهرباء, وبلا صوت صاخب, لا يكل ولا يتعب طوال سنين حياتك ودون أن تبذل أنت أي جهد. ومع هذه القدرة على التكييف فإنه لا يتوانى عن كونه جهاز إنذار من الحرائق وأن يكون في نفس الوقت معملاً كيماوياً لتمييز الروائح.
فردّد معي سبحان الله العظيم, سبحان من خلق فأحسن كل شيء خلقه.
إن دائرة معارفنا معتمده على حواسنا كما أن دائرة الأمان الخاصة بنا معتمدة عليها أيضاً . فالعين ترى، ولكنّها قاصرة والأذن تسمع أصواتاً من بعيد دون أن نراها فتشكل بذلك خط دفاع آخر لنا. لكن هنالك مخاطر في بعض الأحيان قد لا نراها، ولا نسمعها ولكننا نشعر بوجودها بواسطة حاسة شمّنا ، فنشمّ على سبيل المثال رائحة الغاز في البيت، عندما ندخله فتعلن حالة الطوارئ ونجري للمطبخ لإغلاقه فلا يوجد للغاز صوت فنسمعه ولا لون فنراه، فكأن الله جلَّ في علاه جعل من الرائحة إشعاراً لنا، بدقائق المحيط الخارجي ؛ بالإضافة إلى أهمية الشم في حمايتنا من الطعام الفاسد والمتعفن درئاً وحماية لنا من خطر التسمم. فالشمّ يزيد من دائرة الأمانٍ حولنا وهذا من فضل الله علينا.
هل تعلم متى اكتشفت الإنسانية سر حاسة الشم (وبشكل جزئي وقاصر طبعاً) ؟
ما هي المساحة التي تشغلها خلايا الشم في أنف الإنسان ؟
ما هي أهمية الإستنشاق عند الحاجة إلى شمّ الروائح ؟
ما هي أهمية حاسة الشم في استشعار نكهات الطعام ؟
وما هي العلاقة بين حاسة الشم و الذاكرة والعواطف ؟
إن حاسة الشمّ من أكثر الحواس غرابة و استعصاءً على الفهم .فهذه الحاسة والتي صنفت كحاسة كيميائية ، أي تعتمد في عملها على تأثير المواد الكيميائية, لم يستطع العلماء تفسير واستكشاف قدراتها على التمييز بين آلاف الروائح المختلفة وظلت هذه الحاسة بعيدة عن اهتمام العلماء حتى عام 2004، عندما فاز الباحثان “ريتشارد أكسيل” و”لندا باك”، بجائزة نوبل عن أعمالهما حول جهاز الشمّ، والتي شرحا فيها كيف يقوم المخ بالتعرّف إلى الروائح بناء على إشارات منفصلة تأتيه من المستقبلات الحسّية ( Receptors).
هذه المستقبلات الحسّية والتي تستوطن في الجزء العلوي للأنف وتشكل غشاءاً مساحته لا تزيد عن 2سم² وسمكه 0.6 ملم , فلو كان أسمك من ذلك لضعفت حاسّة الشم وبالمقابل لو كان أدق من ذلك لتضررت أطراف المستقبلات الحسية وضعفت حاسّة الشم أيضًا. يقدر عدد المستقبلات الحسّية في الإنسان بعشرة ملايين مستقبل، فلو قل عددها لضعفت حاسة الشم ولو زاد كما هو الحال عند الكلاب ( 220 مليون مستقبل بدلاً من 10 ملايين عندنا ) لما تحملنا الكم الهائل من الروائح ولفقدنا صوابنا , فقدرة الكلب تفوق قدرتنا بمليون مرة فهو يستطيع أن يشمّ آثار رائحة الأقدام على الأرض مثلا حتى بعد مرور بضع أيام فأينا يتحمل ذلك .
وهذا يتمثل بقوله تعالى ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فسبحان الله العظيم, فهذا من فضل الله علينا ورحمته.

صورة توضح الخلايا الشمية في الأنف و البصلة الشمية و المسلك الشمي ( العصبونات الشمية تتلقى حس الشم بأهدابها الموجودة في المنطقة الشمية بالغشاء المخاطي في سقف الحفرة الأنفية ثم ينتقل التنبيه إلى البصلة الشمية ثم إلى المسلك الشمي ثم إلى مراكز الشم في الدماغ )

كل خلية من المستقبلات الحسّية لها 10-13 هُدُب وعلى هذه الأهداب سائل مخاطي يحوي مواد دهنية مذيبة، تتفاعل مع الروائح تفاعلاً كيماوياً، فينتج من هذا التفاعل شكل هندسي، يرسل إشارة كهربائية عبر ألياف عصبيه (من 10-100 ليف عصبي ) يخترقون عظمه مليئة بالفتحات تسمى الصفيحة المصفويّة للعظم الغربالي ( cribriform plate ) فتصل الألياف إلى البصلة الشمّية وفيها تتم عمليات معقدة فتنقل الإشارة الكهربائية إلى مركز الشمّ في الفص الجبهيّ للدماغ ( موقع تمييز الروائح ) وتصل بعض الإشارات الكهربائية إلى النظام الحوفي limbic system والمرتبط بالذكريات والعواطف فتعمل الروائح على تشغيل مشاعر قويه مستندة إلى تجارب سابقة.
مركز تمييز الروائح في الفص الجبهي للدماغ frontal lobe يميِّز بين أكثر من عشرة آلاف رائحة , تتدرج كل رائحة على كل الروائح تباعاً، إلى أن نتعرف عليها، فتقول: هذه رائحة ياسمين مثلاً، وهذه رائحة قهوة وهذه رائحة غاز ويكفي عادةً تركيز أقل من واحد بالمليون mg/cm³ كي تشم تلك الرائحة, وهذه العملية المعقّدة تحصل في أقل من ثانية . فسبحان الملك, أي معمل كيميائي هذا يعمل طوال حياتك, ليل نهار دون علمك ودون جهد منك ولا حتى أخذ الإذن منك.
ظاهرة الإستنشاق ظاهرة مشتركة عند الإنسان والحيوان, سرّها مخفي ولكنها هامّة في تقوية القدرة على تمييز الروائح. تتضاعف قدرة الشم عند الاستنشاق القوي, فيضع الإنسان شيئاً على أنفه، ويأخذ نفساً قوياً، ليستشعر بالرائحة.
حاسّة الشمّ تسهم بجزء كبير من نكهة الطعام الذي نأكله، فمن أصيب بزكامٍ شديد، لا يجد للطعام مذاقاً طيباً، فنكهة الطعام هي محصلة عمل خلايا الشم مع خلايا الذوق. فالإنسان إذا شم وردةً، يجب أن يقول: سبحان الله، سبحان الذي خلق لي هذه الحاسة فأتنعم بها، وإذا أكل طعاماً طيباً، وكان لهذا الطعام نكهةٌ طيبة، فليقل الحمد لله وليستشعر عظمة الله ورحمته وفضله عليه.
تعتبر حاسة الشم من أكثر الحواس إثارةً للعواطف, ويكون هذا التأثير مرتبطاً بعوامل كثيرة منها حالة الشخص نفسه, وهذا يحصل داخل الجهاز الحوفي وأقسامه المختلفة وخصوصاً في قسم اللوزة Amygdala . عند الإنسان الطبيعي تؤدي الروائح الطيبة عادة إلى زيادة الشعور بالسرور، وتؤدي الروائح المزعجة إلى شعور بالضيق والتوتر.
وإنّ لحاسّة الشمّ علاقة قوية جداً بالذاكرة، وقد وجد أن للروائح قدرة على تنشيط الذاكرة، والمساعدة في تذكر أشياء قد مضى عليها زمن بعيد، وتكون أقوى وأكثر عاطفية وتفصيلاً وإشراقاً من الذكريات المصاحبة للحواس الأخرى.‏ فعبير الرائحة أطول مكوثاً في ذهن الشخص إلى حد كبير مقارنة مع الانطباع الذي تتركه صورة ما، أو لحن موسيقي تم سماعه، فمع مرور الوقت تبقى الذاكرة الشمّية حاضرة في حين تتلاشى الذاكرة البصرية أو السمعية.
وفي القرآن الكريم إشارة لطيفة حول حاسة الشمّ وعلاقتها بالذاكرة من خلال قصة سيدنا يوسف في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ [سورة يوسف: الآية 94]. وسنتطرق لها في الرسائل القادمة.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة : ,

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

  1. 1

    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
    شرح رائع وربط بين ايات الله والعلم
    بوركت دكتور وسيم ,ننتظر المزيد باذن الله