اليوم الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 - 9:36 مساءً
أخر تحديث : الإثنين 7 أبريل 2014 - 9:42 صباحًا

التكفير !! حتى لا تبوء بها!

روى الإمام مسلم عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّث أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك. ربما نتعاظم جميعا ما قاله ذلك الرجل! ونتساءل: من يستطيع أن يقول كما قال ذلك الرجل؟ ومن يستطيع أن يُحجِّر واسعاً؟ أو يحكم على مسلم بالخلود في النار؟
أقول: مَن يحمل راية التكفير الواسعة يستطيع أن يقول ذلك، بل لا بُـدّ أن يقول ذلك!
ومن يجرؤ على التكفير أو يتساهل في أمره فهو واقع في ذلك لا محالة! وكيف ذلك؟ إذا حكم على مُعيّن بأنه كافر فقد حكم بأن الله لا يغفر له، وقد قال بلسان حاله – إن لم يكن بلسان مقاله: والله لا يغفر الله لفلان! وهذا أمر بالغ الخطورة.
تكفير المسلم والحكم عليه بالخروج من الإسلام أمر عظيم وشيء كبير في دين الله، وقد جاءت نصوص كثيرة تحذر من الإقدام عليه وتنفر المسلمين من التساهل فيه، وتعظم خطره وتشدد في شأنه.
فعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يرمى رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء به أحدهما”. هذه النصوص صريحة غاية الصراحة في تحذير المسلم من التساهل في التكفير، وشديدة نهاية الشدة في تنفيره من الولوج في هذا الباب إلا بعد تثبت عظيم وتأكيد كبير.
وقد امتثل علماء الإسلام لهذه التحذيرات النبوية فتحوطوا في باب التكفير نهاية التحوط، وأحاطوا التكفير بسياج غليظة، وجعلوا التساهل في إطلاقه أمارة على الخذلان وعلامة على قلة العلم والفطنة.
يقول ابن عبد البر مؤكدا خطورة التكفير: “القرآن والسنّةُ ينهيَان عن تفسيقِ المسلم وتكفيرِه ببيان لا إشكالَ فيه… فالواجبُ في النّظر أن لا يكفَّر إلاّ من اتّفق الجميعُ على تكفيرِه، أو قامَ على تكفيره دليلٌ لا مدفعَ له من كتابٍ أو سنّة”.
ويقول الغزالي –ناقلا عن ابن تيمية مقررا له-: “التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية، فتارة يدرك بيقين، وتارة يدرك بظن غالب، وتارة يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالتوقف عن التكفير أولى، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل”.
ويقول القرطبي: “وباب التكفير باب خطير, أقدم عليه كثير من الناس فسقطوا, وتوقف فيه الفحول فسلموا”..
وأما ابن تيمية فإنه من أشد العلماء تحذيرا من الإقدام على تكفير المسلم، ومن أقواهم تنفيرا منه، حتى قال ذات مرة: “هذا مع أني دائما -ومن جالسني يعلم ذلك مني- أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى..”
ولم يكتف ابن تيمية بالتنظير في التحذير من التكفير والتحوط الشديد فيه, بل مارس ذلك في حياته العملية, فقد كان يخاطب علماء الجهمية الغلاة –وهم عنده قد وقعوا في الكفر المحقق– فيقول لهم: “أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم كفر, وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال, وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم و شيوخهم وأمرائهم”..
ولم يكن يكفِّر تقي الدين السبكي, الذي اجتهد في بيان كون الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم جائزة, وعقد لبيان ذلك بابا قال فيه: “الباب الثامن في التوسل والاستغاثة به صلى الله عليه وسلم” وقرر فيه جواز الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم بعد موته بتفصيل مطول، بل قال عن نفسه: “إن الله يعلم أن كل خير أنا فيه, ومنّ علي به, فهو بسبب النبي صلى الله عليه وسلم والتجائي إليه, واعتمادي في توسلي إلى الله في كل أموري عليه, فهو وسيلتي في الدنيا والآخرة”!
ومع هذا كله لم يكن ابن تيمية يحكم عليه بالكفر, بل كان يعامله معاملة المسلم, وكان يجله ويقدمه ويثني عليه كثيرا, ويعده من كبار علماء الإسلام, ولم يكن يعظم أحدا من أهل عصره كتعظيمه للسبكي. فهل كان ابن تيمية محابيا في دين الله أو كان ممن دخلت عليه شبهة من الإرجاء أو كان فيه مادة من التجهم؟!
والأعجب من ذلك أنه لم يكن يكفر البكري, وهو من أشد العلماء الذين دافعوا عن الاستغاثة الشركية بالنبي صلى الله عليه وسلم, وناظر ابن تيمية فيها, بل قال عنه: “لم نقابل جهله وافتراءه بالتكفير بمثله, كما لو شهد شخص بالزور على شخص آخر أو قذفه بالفاحشة كذبا عليه, لم يكن له أن يشهد عليه بالزور ولا أن يقذفه بالفاحشة”..
فهذه المواقف تدل على شدة احتياط ابن تيمية في باب التكفير وخوفه الشديد من الولوج فيه, ولو وُجد في زماننا هذا رجل مثل البكري أو السبكي لوجدت كثيرا من الشباب يسارع إلى تكفيره, ويتهم كل من لم يكفره بأنه مرجئ أو جهمي أو متخاذل!!
رحم الله الإمام الشوكاني حيث يقول: “اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار… -ثم قال بعد أن أورد النصوص المحذرة من التكفير-: ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير”.
وخلاصة الأمر: التكفير أمر جلل وخطب كبير، والتساهل فيه والإقدام عليه بغير بينة يؤدي إلى الهلاك، ولا يحق للمرء أن يقدم عليه إلا إذا كان عنده يقين بيّن يبرر له الولوج في الحكم على من أظهر الإسلام وشعائره بأنه كافر بالله العظيم وأنه حلال الدم والمال ومستحق للعذاب الأليم.
الحذر من التكفير يجب أن يكون شاملا لكل الأبواب والأحوال، فأي شخص ظهر منه الإسلام وقام بشرائعه وعباداته فإنه يجب أن يحتاط الإنسان كثيرا في تكفيره مهما كان نوع المكفر الذي وقع فيه، سواء أكان من جنس الشرك أو من غيره، وسواء أكان من المسائل الظاهرة أو الخفية، فكل ذلك يجب الاحتياط فيه.
المسارعة في التكفير ليس من الأمور التي يمدح بها الإنسان ولا من الأعمال التي تدل على قوة الإيمان والعلم، ولا من الأوصاف التي يدعى المسلم إلى الاتصاف بها، وإنما تدل على جهل الإنسان وعدم تورعه.
التكفير حكم شرعي ثابت لا يُغلَق أبدا، لكن.. لا يحق أن يتكلم فيه إلا من يحسن الكلام في الأحكام الشرعية ومسائلها الكبار، لأن التكفير تترتب عليه آثار عظيمة وأعمال جليلة، وما كان من جنس هذه المسائل فإنه لا يحق أن يلج فيها إلا من امتلك الفقه في الدين والفهم له، فإنه كلما عظم المقصود عظمت مسائله وآثاره وعظم الكلام فيه…
منقول بتصرف يسير

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع