اليوم السبت 20 يناير 2018 - 12:55 مساءً
أخر تحديث : الإثنين 14 أبريل 2014 - 7:20 صباحًا

كلية الشريعة … عفوا كلية القاسمي … عفوا كلية ال… !!!!

أنهى دراسته الثانوية وكله أمل وتطلعات وطموحات بعضها فوق بعض.. لم يعرف اليأس إليه سبيلا، ولا الإحباط له طريقا.. كان بالغ همه أن يخدم مجتمعه وينصح لهم ويكون لهم عونا على الاستقامة والالتزام الصحيح بالدين الحنيف.. وهو من نعومة أظفاره قد نشأ على حب الدين وحب القرءان.. وقويت أواصر العلاقة والارتباط بينه وبين دينه شيئا فشيئا حتى صار روحه وقلبه وجسده… وبطبيعة الحال فقد عزم صاحبنا على إكمال دراسته العليا في إحدى الكليات التي تدرس الشريعة واللغة العربية ومواضيع أخرى..
أعجب صاحبنا باسم هذا المكان: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية! فالاسم يوحي إليك أنك مقبل على أيام وشهور وسنين مليئة بالدين والعلم والحفظ وتقوية الالتزام والحفاظ على الثوابت والأخلاق… أحسن الظن ويا ليته ما فعل.. لا تستغربوا فإن له نظرة أخرى يرى من خلالها ما لا يراه الآخرون.. ويستثيره ما لا يستثير العوام..
إن حجم الصدمة والاستغراب يكون موافقا لحجم التوقعات والتصورات المسبقة.. وهذا ما حصل.. فالمنشود كان شيئا… والموجود شيء آخر تماما! ولنبدأ من البداية.. إلى النهاية… والبداية كانت سهلة عذبة طيبة بعض الشيء… فالغريب قد يرى كل شيء حسنا.. كان الجو التعليمي مقبولا إلى حد كبير… كان الحزم والالتزام سائدا بين ربوع المتعلمين والمعلمين… الحجاب سمة بارزة لكل المتعلمات بلا استثناء! وحتى التعليم في الصفوف كان بفصل بين الجنسين: فالمقدمة للرجال.. والنساء من خلفهم..مع وجود حاجز بينهما! يعني: ولا البلاش!! جو فيه من الالتزام والمحافظة على القيم والأخلاق ما فيه.. وإن كان لم يخل من الفجوات التي ستتسع بل وستنفجر عما قريب.. فإنما الجبال من الحصى.. والنار من مستصغر الشرر!
بذل صاحبنا قصارى جهده في جمع العلم من كل مشاربه.. وشق طريقة نحو التميز التحصيلي والخلقي، وشهد له بذلك كل من عاصره وشاهده.. كان جليسه كتابه، وملاذه مكتبته، وبيته مسجده.. وهمه الزيادة من العلم والخلق.. ونقل ذلك إلى الآخرين.. ليقوم ويؤدي زكاة العلم.. بالنشر والتبليغ والتعليم والبيان…
طموحات تعانق الجبال، وتطلعات وآمال… لكن في مجتمعنا المتلون المخدوع المنبهر بالغرب!! لا تستغرب مما ستسمع.. فما حدث وما يحدث وما سيحدث كله نتيجة لهزائمنا النفسية المتتالية، ونتيجة لانفصام شخصياتنا وفقدان الثقة بأنفسنا.. وتقديس غيرنا.. والأهم: فقدان عزتنا بديننا ومبادئنا..
ما أصعب البناء.. وما أيسر الهدم! والبناء إن لم يُبن على قواعد ثابتة ودعائم صلبة تهاوى دون سابق إنذار.. بقصد أو بغير قصد.. وإن كان بناؤه شامخا كما يبدو للعيان! فكم من حي وهو ميت وكم من صرح وهو شرخ! لكن ما حدث مع صاحبنا وما رآه بأم عينه وسمعه بأم أذنه كان شيئا قد يبدو غريبا عند البعض.. لكن بالنسبة له كان شيئا عاديا.. بل وأكثر من عادي.. وبمجرد أن علت الأصوات.. وفاحت الروائح.. وبدأت الأحوال بالتقلب والانتكاس علم أنه قد غُرر به.. ويبدو أنه بدأ يضحك مع (أو على) نفسه!!
طبعا لا يخفى على أحد أن ما حصل كان مدروسا ومحسوبا… هذا ما يريده العالم اليوم: إذا تعارض الدين مع أمر من أمور الدنيا.. فضع الدين جانبا، أو خذ منه ودع ما تريد، أو “معجِنهُ” بما يوافق ما تريد.. وانتهى الأمر! يا عمي: الدين يسر.. والإسلام دين العلم والتعليم، وطلب العلم فريضة.. والغرب سبقونا ونحن ما زلنا نفكر ما قبل ألف وأربعمائة سنة؟! نحن في القرن الواحد والعشرين.. ومن أجل ذلك أحبائي الكرام وطلابنا الأعزاء.. لا بد من افتعال نقلة نوعية تتناسب وروح عصرنا… ولو كان على حساب الدين، فالدين نحن نصنعه بأيدينا!
أما الحواجز فقد نبذت إلى غير رجعة! ما فائدتها أصلا؟ لماذا هذا التعقيد والانطواء على النفس؟ الأصل أن تكون الأمور مفتوحة بين الرجل والمرأة! ألم يخلق الرجل للمرأة والمرأة للرجل؟ وإلا فكيف سيتزوجون، إذا كانت بينهم الحواجز.. وكان أحدهما يدخل من باب والثاني يدخل من باب آخر؟ لا تستغربوا فهذا ما كان يسمعه صاحبنا من حملة شهادات الدكتوراة وما فوق ذلك!! وستسمعون من إبداعاتهم عجبا عجابا! إن مثل هؤلاء لم ترتقي أفكارهم بعد ليفهموا سنة من أوضح السنن التي فطر الله الناس عليها وهي: “زين للناس حب الشهوات من النساء..”، “ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء”! وبعد ذلك طبعا يتهمونك بأنك لا تثق في بنات المسلمين وتخوّن كل من تخالطه.. وكأنهم هم المعصومون.. “فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون”.
رأى صاحبنا الحجاب الذي هو مصدر حياء المرأة وعفتها، وصونها عن النظرات الآثمة.. يختفي شيئا فشيئا! ويتضاءل ويتقاصر.. حتى بات “حرم الكلية” كما يسمونه مليئا بالمحرمات والمخالفات والفتن المغريات.. لا حاجة لإلزام أحد بالحجاب! وما الحاجة لذلك؟ أنضحي بالاعتراف الأكاديمي والشهادة العليا من أجل لباس ترتديه المرأة لا يقدم ولا يؤخر؟ الحرية الشخصية هي شعارنا ومبدؤنا! نعم الحرية الشخصية.. لماذا إذا تُمنع المنتقبات العفيفات من حريتهن الشخصية وتضيقون عليهن.. بينما تفتح الأبواب للمتبرجات؟ أم أن الحرية الشخصية المزيفة التي يتحدثون عنها يوجهونها كما يريدون وكيفما يشاءون؟ حتى في الجامعات في الوسط اليهودي لم يقوموا بعد بمثل هذه الخطوات الاستفزازية!!
غريب عجيب ما كان يمر به من تناقض ودهشة واستغراب.. ما أن يقضي الواحد صلاته في المسجد حيث تكفير السيئات وجمع الحسنات.. حتى يرى من بعيد جموع الفتن والمصائب تنهال عليه.. فيا ليت شعري ما العلاقة بين الصلوات والتبرج؟ ما العلاقة بين الدروشات والاختلاط الفاضح؟ ما العلاقة بين الأذكار ونسف الحياء.. متناقضات كثيرة تحت سقف واحد…. لكن يعني: ساعة لربك وساعة لقلبك.. الدين لا يمنع التعليم والعلم! ديننا دين العلم! أنمنع التعليم والرقي والتقدم لمجرد “أقمشة ترتديها المرأة”، ولمجرد سوء ظن؟ يا عمي أنتم تعيشون في العصر الحجري ولن تتقدموا ما دامت عقولكم تفكر هكذا!!! هذا ما كان يشنف آذان صاحبنا بين الحين والآخر!
لم يرق لصاحبنا ما كان يحدث من بعد عن الدين.. وانحراف عن الطريق القويم.. ها هو التبرج قد تمكّن وانتشر… ها هي الحواجز قد نسفت وأصبحت العلاقات وطيدة بين “الإخوة والأخوات”.. ها هو التقدم والتحضر قد بدت نواجذه وامتدت أياديه في كل جانب… حتى شرع الله عز وجل لم يسلم من القدح والتطاول، فتارة يدعي الدكتور أن القرءان لا علاقة له بالسنة، والأحكام تؤخذ من القرءان فقط، وتارة يقولون إن الحجاب لا تلبسه المرأة حتى تقتنع!! وتارة يلمزون الشرع الحنيف بأنه لا يصلح لهذا الزمان.. وتارة وتارة، عاش الدكاترة، وربح علم الأساتذة..
أنى للمسلم الصادق أن يسكت على مثل هذا، لكن أنى لواحد أن يقف أمام الآلاف من “المتحضرين المثقفين”.. والكل يعلم كيف يفكرون.. محاولات إصلاح بسيطة هنا وهناك.. عذرا إلى الله وتبرئة للذمة لم تؤدي دورا بارزا.. بل جوبهت بسيل عارم من الانتقادات والتحذيرات والتهكمات والاستفزازات.. لسان حال القوم: “أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون”.. لا مكان للمتطهرين بيننا، لا حظ للمصلحين عندنا.. “ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون”!
بعد تعب وجهد ومعاناة ومكابدة استل صاحبنا نفسه من بين هذا الركام، لينصرف بأقل الخسائر وأخف الضرر، بعد أن لاقى ما لاقى.. لتتنفس الكلية من بعد خروجه الصعداء، وتكسر وراءه الجرة قائلة: إلى غير رجعة! لم يتغير الاسم فقط بل تغيرت المسميات وتغير كل شيء.. وأما صاحبنا، -أو نقول: أصحابنا.. فما حدث كان بلسان المفرد لكنه ينطبق على الكثيرين ممن نور الله قلوبهم- فقد تنفسوا الصعداء أيضا لأنهم سلموا بدينهم.. وأخذوا ورقة يلوحون بها.. لكنهم هم أنفسهم لم يفهموا بعد في أي مصرف يصرفونها..
طبعا، يقولون لك(وما أكثر ما قالوها): لتتعلم بناتنا هنا في بيئة عربية أفضل من أن تتعلم عند اليهود!! هكذا نحن دائما مهزومون، ودائما نرضى بالذلة والدون، ولا نتطلع نحو الرفعة والطهارة والنقاء.. يعني هنا ثلاثة أرباع الحرام.. وهناك الحرام كله؟! لا حول ولا قوة إلا بالله.. والله المستعان.. يتحدثون.. وينتفشون.. ويفخرون بالإنجازات.. والشهادات.. والتخرجات.. برعايةٍ وغطاء من الدين الجديد أو قل المحدود.. لكن الله عز وجل يمهل ولا يهمل.. ومن رضي بالدون فذلك المغبون.. ومن استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير… فليرتقب الهبوط.. “أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا”..
والله أعلى وأعلم وأكبر من كل من عدى واعتدى وتكبر.. والحمد لله رب العالمين

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع