اليوم الخميس 21 سبتمبر 2017 - 1:40 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 18 أبريل 2014 - 5:50 صباحًا

سلسة أعراسنا بالميزان – مرام ابو مخ – 5

الضوابط الشرعية التي ينبغي مراعاتها في حفل الزفاف
مرام ابومخ
عدم إلحاق الأذى بالآخرين (6):
التعبير عن الفرحة والسعادة حق مكفول للجميع، ولكن لا ينبغي أن يكون على حساب الآخرين، ومن ثم فاستخدام آلات التنبيه بصورة مقلقة ومزعجة وكذلك إطلاق الألعاب النارية في الأفراح من المنكرات التي يجب علينا أن نجتنبها، ويجب أن تكون أفراحنا محفوفة بأخلاق الإسلام وآدابه وتعاليمه، وفي الحديث: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره” ،وقوله  :”لا ضرر ولا ضرار”.
وقد جاء في فتوى الدكتور حسام الدين عفانة:”إن مظاهر إزعاج الناس وإلحاق الأذى والضرر بهم كثيرة في مجتمعنا وللأسف، وإن كثيراً من الناس لا يراعون حقوق الآخرين ومشاعرهم بل يضربون بها عرض الحائط في حالات كثيرة منها:
من استعمال أبواق السيارات بشكل مؤذٍ ومزعج، ومنها استعمال مكبرات الصوت في الأعراس والحفلات حتى ساعة متأخرة من الليل، ومنها إطلاق النار في الحفلات والأعراس، وإطلاق الألعاب النارية في الأعراس والمناسبات الأخرى ،إن هذه الأمور وأمثالها تسبب الأذى وتلحق الضرر بالناس ومعلوم عند العلماء أن إلحاق الأذى حرام شرعاً فلا يجوز للمسلم أن يؤذي غيره سواء كان الإيذاء معنوياً أو مادياً بل إن الإيذاء المعنوي قد يكون أشد من الإيذاء المادي فشتم المسلم في عرضه أشد من صفعه وهكذا.
وقد وردت نصوص كثيرة تحرم إلحاق الأذى وتحث على ترك إيذاء عباد الله، فمن ذلك أنه لا يجوز إيذاء المسلمين في طرقاتهم وشوارعهم، فمن المعلوم أن الطريق من الحقوق العامة التي ينتفع بها الناس كافة، فلا يجوز لأحد أن يؤذي غيره فيها، فاستعمال الطرق والشوارع له أحكام شرعية متعلقة به، وليس للإنسان مطلق الحرية أن يتصرف في الشوارع حسبما يريد وكيفما يريد .
جاء في الحديث عن أبي سعيد آلخدري  عن النبي  قال :” إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال : فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها. قـالوا : ومـا حـق الطريق ؟ قال : غض البصر وكف الأذى وردّ السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر “.
ثم إن إزالة الأذى من طرقات الناس تعتبر صدقة كما جاء في الحديث عن أبي هريرة  أن النبي  قال: “تميط الأذى عن الطريق صدقة”.
وعنه أيضاً أن النبي  قال: “بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخذه فشكر الله له فغفر له” ، وإزالة الأذى من طرقات الناس إحدى مراتب الإيمان كما جاء في الحديث عن أبي هريرة  قال:قال رسول الله  :” الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان”.
وعن أبي برزة  قال: قلت يا نبي الله علمني شيئاً أنتفع به قال: “اعزل الأذى عن طريق المسلمين”.

قال الإمام النووي :”هذه الأحاديث المذكورة في الباب ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق سواء كان الأذى شجرة تؤذي أو غصن شوكة أو حجراً يعثر به أو قذراً أو جيفة أو غير ذلك”.
وما ذكره الإمام النووي من أنواع الأذى المادية التي كانت معروفة في زمانهم قد يكون يسيراً مع أنواع الأذى المعنوية الموجودة في زمانناً مثل إطلاق الرصاص واستعمال الألعاب النارية وغيرها، فهذه مزعجة للنائم والمريض ولطالب العلم ومخيفة للأطفال فكل ذلك أذى يجب الامتناع عنه ديانة ومنع الناس منه قانوناً ونظاماً.
وأنواع الأذى هذه يشملها عموم الأحاديث السابقة فإن كلمة الأذى الواردة فيها تعمها جميعاً . وكذلك ما ورد في أحاديث أخرى من تحريم للأذى بشكل عام كما جاء في الحديث عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله :”من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره “. فهذا النهي الوارد في الحديث يعم كل أذى فلا يجوز إلحاق الأذى بالجار سواء أكان الأذى مادياً أو معنوياً “.وهناك صور متعددة للإلحاق الأذى بالآخرين:
أ- إطلاق أبواق السيارات: شاع بين الناس إطلاق أبواق السيارات يوم الزفة، أو عند طلعة العروس من بيت والدها وإهدائها إلى زوجها ،وكان هدي الصحابة رضي الله عنهم إشهار النكاح وزف العروس إلى زوجها ،فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة من الأنصار إلى زوجها، فدل ذلك على أن الزفاف كان من هدي النبي  والصحابة من بعده .
إلا أن العادة التي جرت في الأفراح في أيامنا هذه هي عند زف العروس لبيت زوجها توضع في سيارة مزينة وتكون حولها مجموعة من السيارات ويقومون باستعمال منبه السيارات ويسيرون في موكب يجوبون البلدة ،فيستمر الحال على ذلك حتى تصل العروس إلى بيت زوجها أو إلى الصالة أو القاعة التي سيتم فيها الاحتفال بالعروسين (الوليمة أو الحفل)،وتعتبر هذه العادة صورة من صور إشهار النكاح إلا انه ينبغي أن لا يلحق ذلك أذى بالآخرين، فالأصل أن كل وسيلة مشروعة تؤدي إلى إعلان النكاح وإشهاره جائزة، لقول النبي ”: أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدف”.
ولا شك أن لكل مجتمع وزمان عادات وأعرافا تخصه يعبر من خلالها عن أفراحه وأتراحه، وكل أمور حياته بشكل عام، وقد أقر الإسلام الناس على أعرافهم، بل ورتب على ذلك أحكاما كثيرة كالنفقة والكسوة وقدر الصداق أو نحو ذلك، بما في ذلك طريقة التعبير عن إشهار النكاح، إلا أنه يجب التنبه إلى أن هذه العادات يجب أن تكون مضبوطة بالشرع، فإن كان فيها ما يخالفه فهي عادات باطلة، فإذا عُلم أن هذه الأبواق التي تطلق من السيارات تلحق الأذى بالآخرين كان استعمالها حرام وإذا تعارف الناس عليها ولم تلحق الأذى بالآخرين جاز استعمالها مع مراعاة عدم المبالغة في ذلك والتضييق على الناس وإزعاجهم .
فإذا كان التِّجوال بالعروس من باب الإعلان عن النكاح فلا بأس بذلك ، بشرط أن لا يكون فيها مخالفات شرعية ، كبروز النساء متكشِّفات على السيارات ، وما يصحب من مختلف المزامير والطبول والمنبهات التي تزعج الناس عموما ، وفي فترات القيلولة خصوصا ، فإن مثل هذا الضرر يلحق بالناس ، والضرر يجب أن يزال ، كما في حديث ابن عباس ـ  ـ عن النبي  قال:”لاَ ضَرَرَ ولاَ ضِرَارَ ” .
أمَّا إذا استُعمِلَت هذه الأصوات عند الوصول إلى بيت العريس تنبيها عن المجيئ ، ففي هذا الحال يجوز ذلك لبعث الاستعداد في نفس الزوج وإدخال الغبطة والسرور على عائلته.
قال الشيخ ابن عثيمين عن هذه العادة: “لا شكَّ أن أبواق السيارات فيه شيء من الإعلان لكنَّه فيه شيء من الإزعاج من وجه .وفيه أيضًا أنَّ السائقين يكون معهم شبه الخفَّة، فيسرعون في السير، وربما يحصل صدام، أحيانًا يتجاوزن إشارة وهي ممنوع، كل هذا يعني بسبب أنهم يلحقون بالخفة واندفاع، لهذا نرى أنَّ الأولى ترك هذا .نعم لو أنَّه نبه واحد أو آثنان عند وصولهما إلى مكان الاجتماع كما ينبه الإنسان إذا وصل إلى بيت من دعاه فهذا لا بأس به.
ب- إطالة السهر حتى ساعات متأخرة من الليل :وهذه من المخالفات الظاهرة في أفراح المسلمين اليوم وجود مكبرات الصوت الضخمة الصاخبة والتي تؤذى عباد الله ( خاصة إذا استمرت إلى وقت متأخر من الليل ،أي إلى ما بعد منتصف الليل ) ،فلا يستطيع طالبٌ أن يذاكر دروسَه ولا يستطيعُ متعبٌ أن ينامَ وكم من مريض في حاجة لنومِ ساعة ليستريحَ من آلامِ المرض ،وكم من طفل ورضيع نائم في هذا الوقت، ولكنهم بهذه المكبرات يحيلون بينه وبين ذلك. والمنكر يصبحُ أوضحَ إذا استمرَّ الحفلُ بالمكبرات إلى ما قبل الصبح كما يحصل في كثير من أعراسنا ،وبالأخص سهرة العريس المسماة بليلة الحناء، والذي نراه اليوم في الأعراس ما يحدث من منكرات وارتكاب للكبائر حيث لا تخلو حفلة حناء إلا ورافقها شرب للخمور والمسكرات، بالإضافة إلى هذه الموسيقى الصاخبة الماجنة .
وهناك ظاهرة اعتاد الناس على فعلها قبل موعد الزفاف بأسبوع أو أسبوعين- ومنهم ما يذهب إلى أكثر من ذلك ،حيث يقومون بالسهر حتى ساعات متأخرة من الليل من اجل مشاركة العريس فرحته وكذلك الأمر مع العروس ويطلق على ذلك اسم (التعليلة)يجتمع فيها أقارب العريس وأصدقائه وجيرانه على مدار هذه المدة يسهرون ويتسامرون على أصوات الموسيقى الصاخبة ،وبالإضافة إلى ما تتكلفه أيام التعليلة من أموال طائلة نفقها أهل العريس أو أهل العروس في الضيافة والتي باتت ظاهرة تنافس بين الناس في تقديم ما لذ وطاب من الطعام والشراب والحلويات ،فيستمر الحال حتى يوم العرس ،ثم تبدأ نفقات العرس تنزل على كاهل العريس من اجل توفير مستلزمات الفرح من صالة أفراح وطعام الوليمة أو العرس بالإضافة إلى نفقات العروس من حلي وفساتين للعرس وسيارة مجهزة بأفخم الزينة … .
إن ما يجري بين الناس من مفاخرة ومباهة وإنفاق الأموال الطائلة في أمور تعد من الإسراف والتبذير وقد ذم الشارع هذا السلوك قال تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
قال البخاري: “قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرَف ومَخِيلة. وقال الإمام أحمد: حدثنا بَهْز، حدثنا هَمّام، عن قتادة، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله  قال: “كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير مَخِيلة ولا سرَف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده” .

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على [email protected]

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع