اليوم الجمعة 19 أكتوبر 2018 - 7:46 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 18 يوليو 2014 - 5:01 صباحًا

السلسلة العلمية – ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ – د. وسيم وتد

الرسالة الخامسة:
عدّد العالِم التطوريRobert Wiedersheim عام 1893في كتابه “علم التشريح التطوري” أكثر من ستة وثمانين عضوا أثريا (Vestigial Organs) في جسم الإنسان، يتواجد في حالة ضمور غير وظيفي، وهو بذلك يعتبر من بقايا وآثار أعضاء أصلية، توارثت من أسلاف قديمة.
لكن هذه القائمة المتوهمة تهاوت، وتقلّص عددها إلى الصفر باكتشاف وظائف تلك الأعضاء الحيويّة المهمة. ومن هذه الأعضاء :الزائدة الدودية Appendixوجهاز جاكبسون Jacobson’s Organ.
افترض داروين وتبعه التطوريون أنّ الزائدة الدودية عبارة عن بقايا تطورية ضامرة من عضو أصلي كبير، تواجد بأسلافهم البعيدة، حيث كانت تساعد على هضم السليليوز، وأصبحت بلا فائدة بعد تغير نظام الإنسان الغذائي، ولذلك تتم إزالتها اليوم حين تصاب الزائدة الدودية بالتهاب حاد. والحقيقة عكس ذلك، فقد تم إثبات وظيفة الزائدة الدودية بعشرات الأبحاث، والتي تؤكد الأهمية القصوى لها، حيث تقوم بدور وظيفي بالغ الأهمية في تصنيع الهرمونات في الطور الجنيني، بالإضافة إلى دورها في المناعة وتوليد الأجسام المضادة، وكونها منزلاً آمناً للبكتيريا المتعايشة والنافعة، وتقديم الدعم لنموها. وفي الآونة الأخيرة نُشرت مقالة في الساينتيفك أميريكان، عدد يناير 2012، بعنوان – Your Appendix Could Save Your Life”زائدتك الدودية قد تنقذ حياتك”،
يقول فيها دكتور بيل باركر: إن البكتريا التي تؤويها الزائدة الدودية تتصدى لأي هجوم بكتيري آخر قد يكون مهلكاً، كالكوليرا.
العضو الضامر الآخر والمثير للجدل هو العضو الميكعي الأنفي، أو جهاز جاكبسون Jacobson’s Organ (vomeronasal organ – VNO)، والذي اكتشفه لودفيغ جاكبسون عام 1813، وهو شاهدنا في هذه الرسالة.
جهاز جاكبسون هو عضو متواجد داخل الأنف كجهاز شمّي من نوع خاص، حيث يلعب دوراً في التقاط أنواع من الروائح الجنسية، تسمى ” فرمونات “، ويشير التطوّريون إلى أنه عضو أثري وغير وظيفي للإنسان، بسبب اختلاف بنيته عن تلك الموجودة في الكثير من الثدييات، وبسبب عدم وضوح فسيولوجيته كما هي ظاهرة في الحيوانات الأخرى.
ولكن هنالك دراسات عديدة تشير إلى وجود دور تنموي في الأجنة البشرية، وتؤكد وجود وظائف للبالغين، وحدوث استجابة لمؤثرات خارجية، وحث نشاط هرموني بين ذكور وإناث البشر، مما يدل على دوره في حث النشاط الجنسي بآلية شبيهة بالفرمونات عند الحيوانات، وأن له خصائص جهاز حسي كيميائي كامل عندنا كبشر.
كيف يرتبط الجهاز الميكعي هذا بقصة سيدنا يوسف؟ هنالك ثلاث حقائق علميّة متعلقة بهذه القصة:
ذكرنا في الرسائل السابقة أن الروائح تستطيع التأثير في سلوك البشر، فتقوم الروائح بتنشيط مناطق مخصصة في الدماغ، وتجعل الإنسان يتذكر أشياء مضى عليها عشرات السنين، ارتبطت برائحة المادة التي يشمها.
وأثبتت الأبحاث حقيقة علمية أخرى، وهي ثبات رائحة الإنسان وتميزها عن غيره. فلكلٍ منا رائحة تختلف عن الآخر، حتى إنه ليمكننا القول: إن كل إنسان له بصمة كيميائية تتمثل في أن جسده يفرز مواد محددة تختلف عن غيره، وتبقى هذه الرائحة مرافقة له في عرقه مثلا، منذ ولادته حتى موته.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن الكثير من الثدييات تتخاطب بالرموز الكيميائية “فرمونات”، ومن بينها الإنسان، والتي نستشعرها بواسطة جهاز جاكبسون كما ذكرنا آنفا، وأن هذا الجهاز كان على الأرجح أكثر نشاطا وفعالية في العصور السابقة؛ فيمكننا أن نلقي نظرة مع إيحاءات جديدة على قصة سيدنا يوسف:
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (يوسف 94)
بعد أن تم اللقاء بين سيدنا يوسف وإخوتهوكشف الحقيقة، طلب سيدنا يوسف من إخوته أخذ قميصه معهم، راجعين إلى ديارهم لإحضار أهله إلى مصر. هذا القميص، والذي به رُد بصر سيدنا يعقوب كرامةً من الله لأنبيائه يعقوب ويوسف؛ كان يحمل معه رائحة يوسف الخاصة به، هذه الرائحة المميّزة حُملت مع الريح لتصل إلى أنف أبيه يعقوب، وذلك قبل أن تصل القافلة بعينها ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾، أي خرجت من مصر متوجة إلى الشام حيث ديار النبي يعقوب، ومن الراجح أن الأجواء سابقاً كانت أكثر نقاءً من أجواء حياتنا المدنية اليوم، وخاصة جو الصحراء، فلا تلوث للهواء، ولا دخان للسيارات أو المصانع، فتسوق الرياح ذرّات رائحة سيدنا يوسف إلى أنف أبيه يعقوب فيستشعرها قائلا ﴿إني لأجد ريح يوسف﴾، ولم يقل: إني لأشم ريح يوسف؛ لأن سيدنا يعقوب قد وجد فعلا هذه الرائحة، فاستشعرها بقوة، وتعرف إليها.كيف لا؟! ويوسف حبيبه وصفيه من بين أبنائه، ولديه يقين من الله بأنّه ما زال حياً، بينما بقية أفراد العائلة لم يصدقوا ذلك، إذ إن الجميع يظن أن يوسف قد أكله الذئب، ولذلك قالوا له: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾(يوسف: 95). فنرى في هذه الحادثة كيف استشعر سيدنا يعقوب عبر أنفه وجهاز جاكبسون داخله رائحة ابنه المميزة، والتي حرّكت ذاكرة طيبة في ذهنه ووجدانه، وزادته يقينا على يقين بدنو لقائه مع ولده ومحبوبه.
فكفى بحاسة الشم وجهاز جاكبسون ومنظومتهما العصبية شرفا أن تُذكر في أحسن القصص، حيث نرى موافقة الحقائق العلمية لما جاء في الآي الحكيم، وحق لها ذلك.

لارسال مواد وصور لموقع اشراقة راسلونا على ishraqasite@gmail.com

موقع اشراقة وادارته غير مسؤولين على ما يكتب في التعقيبات فانها بمسؤولية كاتبها...

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

قوانين وسياسة الموقع

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com